عودة الأموال الضائعة في المساهمات العقارية أوشكت على الانتهاء بعد رحلة طويلة من معاناة المساهمين وجهود الأجهزة الحكومية، فقد بدأت اللجنة المختصة في وزارة التجارة والصناعة المرحلة الثالثة من تصفية المساهمات العقارية المتعثرة، وذلك بإسناد تصفية 32 مساهمة عقارية بقيمة تبلغ نحو مليار ريال إلى مكاتب محاسبية وقانونية متخصصة ستتم المفاضلة بينها في الفترة القريبة المقبلة.
إن التجربة المريرة أسفرت عن خسائر وأضرار وتعثر في استثمار الأموال في مكانها الصحيح، وأهم الدروس المستفادة أن ترك الحبل على الغارب حتى تقع مشكلة بهذا الحجم خلل وثغرة قانونية. صحيح أنه تمت الاستفادة من الدرس وإيقاف هذا العبث في جمع الأموال ممن لا يحسنون إدارتها بل ولا يستطيعون تحمل ضغوط حيازة هذه الأموال وإدارتها والالتزام بما أبرموه من عقود واتفاقيات كانت هي الغطاء الوحيد القانوني لكل ذلك النشاط غير المنظم، إلا أن الضرر قد وقع ويجري حاليا التعويض عنه.
لقد دعت اللجنة المختصة في وزارة التجارة المكاتب الراغبة في تولي مهام تصفية المساهمات إلى مراجعتها للحصول على الشروط وتقديم العطاءات، وتحديد مدة شهر من تاريخ الإعلان لاستقبال العروض لما تبقى من المساهمات العقارية المتعثرة التي تقع في المناطق الرئيسة من المملكة، حيث يتوقع إنهاء تصفيتها خلال العام الجاري، وذلك تطبيقا لقرار مجلس الوزراء القاضي بإنهاء ملف المساهمات العقارية المتعثرة عبر تصفيتها ورد الحقوق لأصحابها، ورفع الظلم عن المواطنين وتسليمهم حقوقهم كاملة غير منقوصة، ومعاقبة المتلاعبين والمضيعين لأموالهم.
إن مجموع المساهمات العقارية غير المرخصة يبلغ 64 مساهمة حسبما كشفت عنه وزارة التجارة والصناعة في العام الماضي، وهي المساهمات الأكثر خطورة، حيث إن عدم الترخيص يعني وجود مخالفات جسيمة في جمع الأموال وتوظيفها والتصرف فيها ولا يوجد في الغالب عقار يمكن بيعه لسداد حقوق المساهمين في بعض المساهمات. ولعل الرقم الأكثر خطورة هو أن عدد المساهمات المتعثرة منذ عام 1403هـ حتى 1426هـ 150 مساهمة تمت تصفية 64 مساهمة قبل تشكيل هذه اللجنة الحالية في وزارة التجارة والصناعة.
إن آلية عمل لجنة المساهمات العقارية وصلاحيتها المتضمنة استدعاء ومساءلة أصحاب المساهمات العقارية والمكاتب المحاسبية المشرفة على سير المساهمات العقارية لمعرفة وضع المساهمة ومخاطبة الجهات المختصة لاتخاذ ما تراه عندما لا يتجاوب صاحب المساهمة، هي اختصار للوقت والجهد ومنع المستغلين من أصحاب المساهمات من العزف على ثغرات القانون والاستفادة من تعدد الجهات المعنية بحل هذه المساهمات التي طال الانتظار بأصحابها وأصبحت فرصة للإثراء على حساب الغير ومماطلتهم في الوفاء بالتزاماتهم.
إن الشيء المؤسف هو أن نسبة مصداقية أصحاب المساهمات لا تتجاوز 10 في المائة، حيث تعثر ما يزيد على الـ 90 في المائة من المساهمات المرخصة، وجميع المساهمات غير المرخصة. وفي هذا ما يكفي للدلالة على أن الاستناد إلى مجرد الثقة الشخصية من قبل المساهمين لم يعد له محل، كما أن انعدام أو ضعف القواعد التنظيمية لضمان حقوق المساهمين وترك الرقابة والسيطرة على الأموال لصاحب المساهمة هي خسارة محققة وضرر مؤكد، ولهذا فإن إخضاع المساهمات العقارية لرقابة هيئة السوق المالية مصلحة عامة لمنع التلاعب وإقفال الباب على الباحثين عن الثراء السريع تحت مظلة المساهمات العقارية وضخ للأموال في مكانها الصحيح أو المحافظة عليها باعتبارها ادخارا لصالح رب الأسرة، ولعل انتهاء هذا الملف الساخن يسهم في تحسين الوعي لدى المتضررين ويمنع غيرهم من الوقوع في مثل هذا الفخ مرة أخرى.
