لن أهديك أخي المريض باقة من الورود، تُرمى فيما بعد، أو طبقا من الحلوى يأكله الحاضرون، بل سأهديك شذرات، من كلام الله تعالى وإرشادات رسوله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ، تؤنسك وتقوي عزيمتك.
اعلم أخي، وأنت على سريرك، أن من سُنّة الله في خلقه أن يبتليهم بالمرض، واعلم أن أحوال المرضى تختلف باختلاف أمراضهم، فمن كان مرضه شديدا زاد همه وغمه، ومن خفّ مرضه خفّ همه، وتختلف طباع المرضى، بحسب قوة الإيمان، فمنهم الراضي المبتسم ومنهم المعترض العابس!
ولابتلاء الله أحبابه بالمرض أسباب: قد تكون عقوبة لمرتكبي المعاصي، قال تعالى: ''وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ''. (الشورى: 30)، وقد يكون المرض كفارة للذنوب، قال ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ: ''ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب (مرض)... إلاّ كفر الله عنه من خطاياه''. (مسلم)، أو يكون سبباً لرفع منزلة المريض في الآخرة.. وقد تجتمع هذه الأسباب تارة، وتفترق تارة أخرى، إلا أن جماع القصد هو: التطهير، والحث على التوبة النصوح والاستغفار، والاستبشار بقوله تعالى: ''وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ''. (طه: 82).
وعلى المريض أن يستحضر، دائماً، أمرين إيجابيين: أن مصيبته في غير دينه، وأنها أخف من مصيبة غيره، فتهون عليه مصيبته، وأن يتعاهد أثناء مرضه: عدم الاعتراض، فيتدبر قوله تعالى: ''مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْۗ''. (الحديد: 22-23)، وأن يُحسن الظن بالله، ففي الحديث القدسي: ''أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيراً فله وإن ظن شراً فله''. (مسلم)، وأن يلح على الله بالدعاء، قال ابن حجر: ''علاج الأمراض كلها بالدعاء، والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العقاقير الطبية.. ولكن، إنما ينجع بأمرين: أحدهما من جهة العليل وهو صدق القصد، والآخر من جهة المداوي وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل''. (فتح الباري)، وأن يسأل عما يفيده، فالرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ وجَّه من يشكو ألما أن يضع يده على المكان المؤلم من الجسد ويقول: ''بسم الله ـــ ثلاثاً ـــ ثم يقول ـــ سبعاً ـــ أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر''. (مسلم)، فيبادر إلى تطبيق الأحاديث الشريفة، مع استحضار سيرته ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ مع المرض، وهو القائل: ''إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ... (ومَا) مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا''. (البخاري)، وليلتزم القرآن مستحضراً ما فيه، كقوله تعالى عن إبراهيم: ''وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ''. (الشعراء: 80)، ''وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ۖ''. (الأنبياء: 83 ـــ 84)، فتهون عليه مصيبته، وتغشاه راحة وطمأنينة تساعده على الشفاء ـ بإذن الله.
إلى جانب كل ذلك، عزيزي المريض، أنت مأمور باتخاذ الأسباب، ولكنك مأمور بعدم التعلق بالأسباب، التي إن أراد الله لك نفعاً نفعتك، وإن لم يرد الله بها نفعاً لم تنفعك، ولا تشكو مرضك لغير الله، قال ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ: ''إذا سألت فاسأل الله.. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف''. (الترمذي)، بمعنى، لا تحاول أخي المريض، شفاك الله وعافاك، أن تعترض على ابتلاء الله لك، ولا تعلّق شفاءك بغير الله، فسبحانه أرحم بك من أمك، فأحسن الظن به، وحافظ على صلاتك، واطلب ممن حولك أن يدعوا لك: ''أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك''. سبعاً (الترمذي)، وتسلى عن مرضك بترديد: ''إنا لله وإنا إليه راجعون'' (ابن كثير)، وأذكر الله كثيراً ''أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ''. (الرعد: 28)، وحافظ على الأذكار، وما يتعلق بالرقية الشرعية، وهي كثيرة موجودة في كتيبات سهل الحصول عليها، ولا تقل (لو) فإنها تفتح للشيطان باباً واسعاً، وأيقن بالخير، فالله تعالى يقول: ''وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ''. (البقرة: 216)، وأيقن بأن مرضك طهور لك، فلعلك حين تشفى تكون أقرب لله وأكثر شكراً له، فتتدارك تقصيرك، فتصبح الحياة حينها لك أجمل.. والآخرة أثمن!
إذن، أصدقْ التوبة، وأحسِن الظن بالله، والتزم الدعاء الصادق، وأبعد عنك اليأس والقنوط، حتى وإن لم ترَ أثراً عاجلاً.. اصبر واحتسب، واهدأ وارتقب، ففي كل حالك خير! قال ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ: ''عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له''. (مسلم).
