السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يسعى ولاة الأمر – أيدهم الله – في هذا البلد المعطاء على النهوض بالمواطن والمسؤول على حد سواء وذلك بتسيير أمور المواطن من خلال المسؤول الذي تم تجنيده وتهيئته وحتى تدريبه لكي يضطلع بتلك المهمة النبيلة. ومن الملاحظ أنه بعد انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية أصبح العبء على الوزارات والقطاعات المعنية بتلك المنظمة كبيرا، وذلك لكي تواكب تلك القطاعات التقدم التقني والمهني الذي تتمتع به القطاعات المثيلة في الدول المتقدمة. أسوق تلك العُجالة بعد أن شاهدت الطريقة البدائية والبيروقراطية التي عفى عليها الزمن والتي يعيشها قطاع خدمات الشحن الجوي. وهذا التعامل, وللأسف الشديد لم يتضرر منه المواطن فحسب بل الزائر الدبلوماسي الأجنبي القادم من الولايات المتحدة لكي يعمل في سفارة بلاده في بلد الخير والسلام والإنسانية. وما شاهدته من تخلف في الأسلوب والطريقة غير الحضارية أجزم أنه لا يوجد في أي بلد في العالم بما فيها البلدان المتخلفة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وتنظيميا. استمعت لحديث الدبلوماسي الزائر بحرقة وأنا أقول في قرارة نفسي لقد عين المسؤولون في هذا الجهاز كي يقوموا بالتغيير وبتطوير العمل على النهج الذي تعمل به البلدان المتقدمة؟ ولكن لماذا نستمر على نفس التخلف والبدائية التي نعيشها قبل اختراع التقنية الإلكترونية؟ ولماذا يُصر هذا المسؤول على تكملة العجز الإداري والتقني الذي ما فتئ المسؤول الذي قبله يعمل به ويطبقه؟ ولماذا لا يستقطب في المناصب القيادية الموظفون المؤهلون القادرون على التغيير, الذين يُسمون المصلحين Reformist؟ تلك الأسئلة وغيرها ممكن تطبيقها على معظم أجهزتنا الحكومية وشبه الحكومية وأغلب الخاصة التي تكون لها علاقة بالمواطن والأجنبي وهي بلا شك أسئلة تحتاج إلى إجابات وليست إجابة واحدة. يقول صاحبنا الدبلوماسي إنني بدأت بعدم الارتياح منذ أن تفاوتت الأسعار بين الشحن الجوي وبين الوكلاء في منطقة واشنطن العاصمة. حيث تحدثتُ – والكلام للدبلوماسي – مع أحد الوكلاء فذكر أن سعر الكيلو سيكلفني 2.81 دولار، بينما سعر الكيلو لدى شركة الشحن السعودي كلفني 3.50 دولار. وأردف هذا الأجنبي كلامه، حيث يقول إنهم وعدوني بأن الشحنة ستصل الرياض خلال خمسة أيام ووصلت خلال 13 يوما. والأدهى والأمر من ذلك – حسب كلام الوافد – هي الطريقة البدائية التي تم بها تخليص الشحنة، حيث طُلب مني التوقيع على أوراق خاصة بالشركة ثم تسديد مبالغ أخرى غير التي سددتها في بلد المنشأ والتي لم يبين لي الشخص المسؤول السبب في تسديدها ومن ثم المسافات الهائلة التي مشيتها في أروقة المبنى المترامي الأطراف لكي أنهي إجراءات الشحنة بين الخطوط والشحن والجمارك وأخيرا وليس آخرا سرقة كل ما خف وزنه وغلا ثمنه. هذا الدبلوماسي يتحسر على الوضع الذي واجهه في هذا القطاع وهو يعيش أيامه الأولى في هذا البلد المعطاء، ويقول في ثنايا حديثه إنها ليست المرة الأولى التي أخدم فيها بلدي بل خلال 27 عاما الماضية من عملي مع وزارة الخارجية زرت عديدا من البلدان في جميع القارات، حيث عمل في غانا والكاميرون وأستراليا ورومانيا والبرتغال، ولكنها المرة الأولى التي يواجهني فيها هذا التباين في الخدمات المقدمة لي كدبلوماسي أجنبي في أكبر بلد منتج للنفط. يقول لن أقارن المملكة بأستراليا مثلا، ولكن ما شاهدته في بلد مثل الكاميرون والتعامل الراقي الذي لمسته جعلني أعيش في وضع نفسي رائع، حيث لم أكن في حاجة إلى أن أقطع تلك المسافات التي قطعتها في أروقة مبنى الشحن السعودي لأنجز أوراق شحنتي فقد كنت في غرفة مكيفة وكانت الأوراق تنتقل من قسم إلى آخر عبر التعاملات الإلكترونية وعندما انتهوا من الإجراءات النظامية والأمنية استدعيت برقم أخذته بعد تسليمهم فاتورة الشحن من المصدر وليس هذا فقط فقد تسلمت كل ما شحنته من دون فقدان لأية قطعة.أكاد أجزم أن المسؤولين في قطاع الشحن الجوي لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث والتقصي في التوجيهات السامية الصادرة بتطبيق برنامج التعاملات الإلكترونية والذي يهدف إلى رفع الإنتاجية وتحسين كفاءة القطاعين العام والخاص بغية الوصول لتقديم أفضل الخدمات للأفراد وزيادة عوائد الاستثمار وتوفير المعلومات المطلوبة بدقة عالية وفي وقت سريع ومناسب من دون إخلال بالبيروقراطية الحكومية. ولو تم تطبيق ذلك البرنامج لما قام قطاع الشحن بالتعامل بهذا الأسلوب الذي أقل ما يُقال عنه بأنه غير حضاري. مثل تلك المخالفات يتضرر منها الكثير ممن لهم صلة بهذا القطاع الحيوي المهم. والكثير من المواطنين والأجانب (سواء كانوا زائرين أو مستثمرين) يتضررون من التعامل بالطرق البدائية التي يتبعها قطاع الشحن والتي أكدها لي أحد الموظفين الغيورين من إدارة الجمارك، والذي ذكر أن كل ما ذكره هذا الدبلوماسي صحيح ومنها أخذ مبلغ إضافي من دون وجه حق. ولذا ومن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان لزاما كتابة مثل هذا المقال على أمل كبير أن تجد آذانا صاغية للتغيير والإصلاح لبعض إجراءات هذا القطاع.

والله ولي التوفيق،،

أكاديمي ـ عضو الجمعية الأمريكية للإدارة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية