قام برنامج التعاملات الإلكترونية الحكومية ''يسر'' وبإشراف من وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات ووزارة المالية وهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات، بتنظيم المؤتمر الوطني الثاني للتعاملات الإلكترونية الحكومية في مدينة الرياض من 16 إلى 20 شوال 1431هـ. وقد تضمن المؤتمر 12 ورشة عمل و40 متحدثاً و95 عارضاً. وأتى المؤتمر الثاني مختلفاً عن المؤتمر الأول الذي انعقد في عام 2007، من حيث الثراء المعرفي واستعراض تجارب الغير والمشاركات الحكومية. ليس الهدف من تسطير هذه الكلمات تقديم تقرير عن المؤتمر أو عما قُدم فيه، كذلك ليس الهدف تقديم تعريف للتعاملات الإلكترونية الحكومية (الحكومة الإلكترونية) أو التعريف بـ ''يسر''. إن الهدف من هذا المقال هو استعراض بعض العقبات والتحديات التي طرحت أثناء المؤتمر والتي تواجه تطبيق أنظمة تقنية المعلومات بشكل عام والتعاملات الإلكترونية الحكومية بشكل خاص. وقبل البدء في توضيح تلك العقبات والتحديات، دعوني أُجيب عن السؤال الافتراضي للإنسان العادي البسيط المستفيد من التعاملات الإلكترونية الحكومية، وسؤاله ما الفائدة من التعاملات الإلكترونية الحكومية؟ والجواب عن هذا التساؤل في كلمتين هو: ''لجعل الحياة أسهل''.
فيما يلي سأستعرض العقبات والتحديات التي تعترض طريق تطبيق التعاملات الإلكترونية الحكومية من وجهة نظر المطور وليس من وجهة نظر المستخدم. التحديات والعقبات أمام تطوير التعاملات الإلكترونية الحكومية كثيرة، ولا يمكن عرضها في مقال واحد، إلا أنني سأوضح أهم العقبات التي تعترض مطوري التعاملات الإلكترونية الحكومية وتطبيقها بالشكل الصحيح، كما أن هذه العقبات والصعوبات هي تقريباً متشابهة في جميع الدول المطورة لهذه المشاريع، إلا أنها عندنا قد تكون بشكل أكثر تعقيداً للأسباب التي سأوضحها في سياق الحديث عنها.أول عقبة ـــ مقاومة التغيير: تأتي عقبة مقاومة التغيير على رأس العقبات التي تواجه مطوري التعاملات الإلكترونية الحكومية. وهذه المعضلة تعد من أكثر التحديات والمعوقات التي تقف حجر عثرة لكثير من مشاريع تقنية المعلومات منذ نشوء هذه التقنية، ودائماً ما يعاني مطورو هذه التقنية هذه المعضلة، إلا أنها مع الزمن ومع اتضاح الفوائد المذهلة لتقنية الاتصالات والمعلومات، أصبحت محدودة وغير منطقية، ومع ذلك ما زال يوجد في كثير من المؤسسات من يقاوم التغيير أو على أقل تقدير يعطي مشاريع تقنية المعلومات أولويات ثانوية، وتكون الأولويات لمشاريع الأعمال التخصصية التي تضطلع بها المؤسسات المعنية.
ومن نعم الله وفضله أن حبا هذا البلد قيادة رشيدة تؤمن بحتمية التغيير والتطور، ويأتي على رأسها خادم الحرمين الشريفين ـــ حفظه الله ـــ باني نهضتنا وقائد مسيرتنا التنموية الذي أولى تقنية الاتصالات والمعلومات بشكل عام والتعاملات الإلكترونية الحكومية بشكل خاص اهتمامه، ودعم هذه التقنية مادياً ومعنوياً، ليس منذ توليه قيادة المسيرة المباركة فحسب، بل منذ كان ولياً للعهد، وهذا مما سرع عجلة التطور التقني المعلوماتي والاتصالي ودعم مشروع التعاملات الإلكترونية الحكومية ليصل إلى ما وصل إليه الآن.
العقبة الثانية ـــ التوثيق: غياب التوثيق هو من أهم العقبات التي تواجه مطوري التعاملات الإلكترونية الحكومية. ففي ظل غياب التوثيق لدى الجهات الحكومية أو وجوده (التوثيق) مع عدم فعاليته حيث لا يعكس الواقع الفعلي، يعوق سير تطوير مشاريع تقنية المعلومات وفي أحيان قد يجهض تلك المشاريع. والتوثيق الذي أعني هو توثيق السياسات والإجراءات للنظام اليدوي المعمول به، كذلك توثيق الوظائف (مسميات ووصف وظيفي وخلافه) وتوثيق الهياكل التنظيمية للمؤسسة. قد لا يوجد توثيق في بعض الجهات، وقد يوجد في جهات كثيرة، إلا أنه غير مجدٍ نظراً لتغييبه في بطون الأدراج، ولا يتم تحديثه حسب التطور وحسب التغييرات على أرض الواقع. هذه العقبة موجودة في معظم الدول المطورة للحكومات الإلكترونية، إلا أنها ليست بالمستوى الموجود عندنا. فالمطور لتقنية المعلومات وللحكومة الإلكترونية في الدول المتطورة يعتمد اعتماداً أساسياً على التوثيق للأنظمة اليدوية المراد أتممتها، ويجد أن التوثيق يعكس أرض الواقع بنسبة عالية ويتم إكمال النسبة المتبقية من الموظفين المستخدمين للنظام. أما في كثير من مؤسساتنا فالوضع يختلف تماماً حيث لا يمكن الركون إلى التوثيق، هذا إن وجد من الأصل، ولو تم الاعتماد على التوثيق الموجود لولد لنا نظام آلي غريب لا يمت للواقع بأي صلة، ولأصبح مصيره بعد ذلك الرف، كما لذهبت المبالغ الباهظة المصروفة على ذلك المشروع أدراج الرياح، ولا تكمن الخسارة في هذه المبالغ فحسب، بل الخسارة الفعلية هي في التخلف عن الركب وإضاعة الفرصة للاستفادة من التقنية وفوائدها، وبناءً على ذلك عدم خدمة المستفيد والبلد. في العادة عند الرغبة في تطوير الأنظمة التطبيقية المعلوماتية ـــ التعاملات الإلكترونية الحكومية على سبيل المثال ـــ يتم القيام بإعادة هندسة الإجراءات أو ما يسمى بـ ''الهندرة''، وذلك بالرجوع أولاً إلى توثيق النظام اليدوي القائم، وثانياً إلى جلوس مطور النظام (مهندس نظم ـــ محلل نظم) مع الموظفين (مستخدمي النظام)، من أجل توثيق الإجراءات حسب النظام الجديد (الآلي)، إلا أنه في غياب التوثيق للأنظمة اليدوية أو وجود توثيق غير محدث وغير فعال، يتم الاعتماد الكلي على الموظفين المستخدمين للنظام، وذلك من أجل إعادة توثيق النظام وللوصول إلى مرحلة إعادة هندسة الإجراءات. وهنا لا بد من وقفة مع هذه النقطة، فليس الأمر بالسهولة التي تتبادر للذهن، حيث إن كثيرا من الموظفين يجدهم رجل التقنية بارعين في أداء أعمالهم على أرض الواقع، ويُذهل للخبرة التي اكتسبوها، لكن عند الطلب منهم توثيق هذه الأعمال والإجراءات ووضعها على شكل مكتوب, يسقط في يده، ويصعب الوصول إلى توثيق كامل وصحيح، وهذا يعود إلى أن المعرفة والخبرة التي اكتسبها أولئك الموظفون لم تأتِ من أدلة وكتيبات الإجراءات، بل أتت من التدريب على أيدي الزملاء أو ممن سبقوهم في الخدمة. وللتغلب على هذه المعضلة عادةً يلجأ مهندس النظم (مطور النظام) إلى تقمص دور الموظف ويتعلم كيف يتم تنفيذ الإجراءات ويعتمر قبعة المستخدم ـــ كما هو متعارف عليه لدى رجال التقنية ـــ، وبعد فهم كيف يتم تنفيذ الإجراءات من قبل مطور النظام، يعود ويعتمر قبعة رجل التقنية وعلى ذلك يتم توثيق النظام. وكما ترى عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة أن اتباع هذا الأسلوب يُعد مضيعة للوقت وللجهد، فلو وجد توثيق كامل وصحيح ومحدث باستمرار للأنظمة اليدوية في المؤسسات الحكومية، لأصبحت إعادة هندسة الإجراءات أكثر دقة وأقرب للواقع وأسرع للتنفيذ وأقل للتكلفة.
العقبة الثالثة ـــ التركيز على الخصوصية: من العقبات عند تطوير التعاملات الإلكترونية الحكومية التركيز على الخصوصية، وعدم الأخذ في الحسبان الصورة الشاملة للمؤسسة وعلاقتها بالفروع داخل المؤسسة أو علاقتها بالكيانات خارج المؤسسة مثل المؤسسات الحكومية الأخرى، الشيء نفسه يمكن أن يقال على الفروع داخل المؤسسة، حيث يوجد لبعض المؤسسات الحكومية فروع كثيرة وكل فرع له إدارة اتصالات وتقنية معلومات خاصة به، وتعمل في معزل عن المؤسسة الأم والفروع الأخرى، وتعمل المؤسسة الأم والفروع فيما يخص تقنية المعلومات والاتصالات في بيئة من الجزر المفصولة عن بعضها، وفي غياب المعايير التقنية والإطار الذي يعمل الجميع وفقه، سيكون من الصعوبة بمكان إذا لم يكن من المستحيل تطوير التعاملات الإلكترونية الحكومية وبشكل صحيح.
العقبة الرابعة ـــ نقص الكوادر المؤهلة: يعتبر نقص الكوادر المؤهلة في تقنية الاتصالات والمعلومات من أكبر المشكلات التي تواجه تطوير تقنية الاتصالات والمعلومات في هذا البلد، ويأتي على رأس ذلك النقص في مديري تقنية الاتصالات وتقنية المعلومات CIO، وهذا من العقبات التي تواجه تنفيذ التعاملات الإلكترونية الحكومية في كثير من المؤسسات الحكومية بالصورة المطلوبة. إن من أهم عوامل نجاح مشاريع تقنية الاتصالات والمعلومات في المؤسسات هو وجود مديرين لتقنية الاتصالات والمعلومات مؤهلين، إلا أن الحاصل في بعض المؤسسات هو تعيين كوادر غير مؤهلة في هذه المراكز نظراً للنقص في الكوادر المؤهلة أو لأسباب أخرى، مما يكون له مفعوله السلبي على نجاح مشاريع تقنية المعلومات.
كلمة أخيرة: في الختام كلمة شكر يجب أن تقال، أولاً لخادم الحرمين الشريفين ـــ حفظه الله ـــ الذي كان له الفضل بعد الله في دعم تقنية الاتصالات وتقنية المعلومات ودعم مشروع التعاملات الإلكترونية الحكومية مادياً ومعنوياً مما كان له كبير الأثر في التقدم المطرد في تطوير هذا المشروع. والشكر موصول ثانياً إلى أصحاب المعالي وزير الاتصالات وتقنية المعلومات ووزير المالية ومحافظ هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات وإلى المدير العام لبرنامج التعاملات الإلكترونية الحكومية ''يسر'' على ما قاموا به تجاه مشروع التعاملات الإلكترونية الحكومية وتجاه إنجاح المؤتمر الوطني الثاني للتعاملات الإلكترونية الحكومية، وتواجدهم الفعال والمستمر أثناء انعقاد المؤتمر، كما أستميح القائمين على هذا المشروع العذر في إبداء اقتراح قد يفيد في متابعة تنفيذ المشروع.
إن مشروعاً بحجم مشروع التعاملات الإلكترونية يتعامل مع عدد كبير من المؤسسات الحكومية وكثير من التقنيات وكثير من التشريعات والخدمات المختلفة، ويعد بحق في غاية التعقيد، لهذا يحتاج إلى آلية متابعة دقيقة وفعالة. ومع أنني أعلم أن مشروع ''يسر'' أعد إطاراً عاماً لاتباعه من قبل المؤسسات الحكومية، كذلك أعد آلية لمتابعة تنفيذ المشروع لدى الجهات الحكومية، وذلك بطلب تقرير نصف سنوي من الجهات الحكومية عن تقدم العمل في المشروع، إلا أن اقتراحي هو لو أن برنامج ''يسر'' بدلاً من طلب التقرير النصف سنوي عن الإنجازية التي يتم إرسالها من الجهات الحكومية، يكلف فريق (فرق) متخصصا من برنامج ''يسر'' وبالتنسيق المسبق المجدول مع الجهات الحكومية والقيام بزيارات ميدانية وتقييم الإنجازيه على أرض الواقع. إن اتباع هذه الطريقة ـــ من وجهة نظري ـــ سيكون أجدى من اتباع الطريقة الحالية، وذلك للأسباب التالية:
1) يتم التأكد من قبل فريق المتابعة الميداني أن المشروع يتقدم حسب الإطار المرسوم له وحسب المخطط.
2) إذا طرأ أي انحراف عن المسار المطلوب سيتم تداركه وتعديله قبل فوات الأوان.
3) في وجود فريق مختص للمتابعة من برنامج ''يسر''، وأثناء الزيارة الميدانية للجهات الحكومية من الممكن أن يكون إضافة إلى مهمة المتابعة والتقييم القيام بالتوجيه وتقديم الاستشارة حسب الوضع القائم للمشروع حال الزيارة.
4) في حال الطريقة المتبعة الحالية قد يكون التقرير معداً من قبل موظفين غير مختصين، مما لا يعكس الوضع الراهن للمشروع لدى الجهات الحكومية.
5) قد تكون تكاليف تشكيل فرق عمل ميدانية لمتابعة مشروع التعاملات الإلكترونية الحكومية مكلفة، إلا أن الدولة ـــ رعاها الله ـــ لم تبخل على هذا المشروع، كما أن التكلفة التصحيحية لمسار المشروع أثناء التطوير لا تعد شيئا يذكر، مقارنةً بالتكلفة لتصحيح المسار بعد الانتهاء من المشروع.
إن مشروع التعاملات الإلكترونية الحكومية مشابه لفرقة الأوركسترا، ومهمة برنامج ''يسر'' مثل مهمة قائد الأوركسترا، وأي نشاز من أي عضو في الفرقة سيفسد المقطوعة بالكامل.
هذا والله من وراء القصد.
