الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

كان القرار الذي اتخذه الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف بإنهاء خدمة عمدة موسكو يوري لوجكوف، الذي ظل راسخا في منصبه مدة طويلة، بمثابة التحرك الأكثر حسما من جانبه طيلة فترة ولايته، لكن هل يشكل هذا التحرك حقا جزءا من حملته الرامية إلى تحديث روسيا، أم أنه جزء من فصل جديد في الصراع على السلطة مع الرجل القوي الحقيقي في موسكو، رئيس الوزراء فلاديمير بوتن؟

كان أناتولي تشوبايس، أبو الخصخصة الروسية في تسعينيات القرن الـ 20، والرئيس الحالي لمجموعة شركات روزنانو المتخصصة في تكنولوجيا النانو، قد أقر أخيرا بأن آفاق التحديث السياسي في روسيا قاتمة، حيث قال: ''اليوم لا يوجد طلب على التحديث. ومثل هذا الطلب يحتاج إلى رابطة اجتماعية تروج له''. بل لقد ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك في حديث له مع المستثمرين الأجانب، فأشار إلى أن تهديد الفاشية في روسيا ''سينمو إلى النقطة التي تتضاءل عندها المناقشات حول بوتن وميدفيديف، وحول ميدفيديف أو بوتن، بالمقارنة''.

ونستطيع أن نفسر هذه الرؤية المتشائمة بالمصلحة التي تتحقق لتشوبايس بتوقف الغرب عن تحدي حكام روسيا فيما يتصل بانتهاكات حقوق الإنسان وتقييد الحريات. ولتجنب بديل قد يكون أكثر سوءا، فيتعين على الولايات المتحدة وأوروبا أن يدعما الثنائي بوتن ـــ ميدفيديف؛ على أمل أن يوفرا بيئة مستقرة وآمنة للاستثمار. والواقع أن تشوبايس الذي كان مناصرا للإصلاح مرة واحدة، أصبح الآن متواطئا بشكل كامل مع النظام في السياسات التي يتبناها. بيد أنه رغم ذلك يقول الحقيقة.

والواقع أن أكبر أنصار التحديث في روسيا وراعي الرئيس دميتري ميدفيديف، وهو إيجور يورجينز من معهد التنمية المعاصرة، يفكر بالطريقة نفسها تقريبا. بل إنه يزعم أن الروس ''ليسوا مواطنين''، بل إنهم يشكلون ''قبيلة'' من نوع ما، وأن الطبيعة العتيقة للمجتمع الروسي ليس من المرجح أن تتغير قبل عام 2050.

لا شك أن الساسة الروس مغرمون دوما بتعيين تاريخ محدد للتغيير: فقد وعد نيكيتا خروشوف ذات يوم ببناء الشيوعية في غضون 20 عاما، لكن المهم هنا هو ذلك الاعتقاد الشائع بأن الروس ليسوا جاهزين لتولي المسؤولية كمواطنين. ومرة أخرى، سنجد أن كل صيغ الديمقراطية الغربية تعتمد على إرادة قيصر مستنير ومحب للخير.

ويسعى ميدفيديف حاليا إلى الاضطلاع بهذا الدور. وبمجرد نجاحه في جلب الإصلاح الحقيقي في مجال التحديث، فمن المفترض أن يتبعه الناس عن طواعية ورغبة، وأن ينسوا قرونا من العبودية، ودكتاتورية البروليتاريا، والفوضى السياسية والسقوط الاقتصادي الحر في تسعينيات القرن الـ 20، وعشرة أعوام من ديمقراطية بوتن الموجهة، لكن لم يتمكن خروشوف، ولا ميخائيل جورباتشوف، ولا بوريس يلتسين من اجتثاث الثقافة الروسية العنيدة من اللامبالاة والتبعية، وتحديدا لأنهم كانوا جميعا مصرين على التغيير من القمة إلى القاعدة، وتوقعوا أن يرضخ الشعب الروسي بشكل جماعي بكل بساطة.

تُرى هل ينجح ميدفيديف في تحقيق ما عجز آخرون عن تحقيقه؟

إن الفضيحة التي أحاطت بمسألة عدم كفاءة العمدة لوجكوف في التعامل مع موجة الحرارة المهلكة التي ضربت موسكو في هذا الصيف وحرائق الغابات، تُصوَّر وكأنها انقسام بين ميدفيديف ''نصير التحديث'' و''حرس بوتن القديم''. ولقد أذاع الكرملين أخيرا على قناته التلفزيونية أفلاما وثائقية تمزق لوجكوف شر ممزق، كما أشار ميدفيديف إلى أن وقت تقاعد العمدة قد حان.

أما بوتن فلم ينتقد لوجكوف سياسيا. فتحت إشرافه (الذي لم يكن منزها من الغرض على الأرجح) عمل العمدة على تحويل موسكو إلى إقطاعية خاصة. وبالاستعانة بميزانية المدينة التي تقرب من 50 مليار دولار، عمل لوجكوف على تشجيع التخريب المعماري، وتغاضى عن الاختناقات المرورية المروعة، وساعد زوجته في التحول إلى أغنى امرأة في روسيا من خلال مشاريع البناء الخاصة بها في موسكو. ولم يُبد بوتن أي اعتراض رغم كل ذلك.

ويرى أغلب المحللين، أن هذا الخلاف الواضح بين بوتن وميدفيديف بشأن مصير لوجكوف يُعَد بمثابة الإشارة إلى السباق الرئاسي الذي يلوح في الأفق في عام 2012. كما كان لوجكوف فضلا عن ذلك كثير الانتقاد لتصرفات ميدفيديف، في حين كان ميالا إلى امتداح بوتن ـــ في محاولة للوقيعة بين الرجلين، كما زعم البعض.

وفي هذا السيناريو إذن فإن فضح لوجكوف بوصفه مسؤولا فاسدا وغير كفؤ، واستخدامه ككبش فداء لعجز النظام الروسي، كان المقصود منه العمل كأداة لتمكين ميدفيديف من حشد الرأي العام في تأييده وإظهار بوتن في هيئة الزعيم الذي يعيش في برج عاجي غافلا عما يدور من حوله، لكن المشكلة هي أن ميدفيديف، مثله كمثل لوجكوف، كان غائبا في أغلب الوقت أثناء موجة حر الصيف المأساوية، في حين كان بوتن في كل مكان، حتى أنه قاد طائرات مكافحة الحرائق فوق الغابات المحترقة.

وحيث إن بوتن لم ينحَز رسميا إلى أي جانب فيما يتصل بمصير لوجكوف، فإن الرئيس كان ليجد نفسه بلا وظيفة في عام 2012 في حالة فشل الحملة التي شنها ضد عمدة موسكو (سابقا الآن). وكان ليضطر إلى الانضمام إلى المعارضة الروسية المثيرة للشفقة، والتي تتحمل جزءا من اللوم عن الثقافة السياسية السامة التي تخيم على البلاد. ذلك أن المعارضة ـــ تحت زعامة بوريس نيمتسوف، الزعيم السابق لاتحاد قوى اليمين المنحل الآن، وميخائيل كازيانوف رئيس الوزراء الأسبق، ولاعب الشطرنج جاري كاسباروف، والكاتب إدوارد ليمونوف ـــ لا تعمل وفقا لرسالة متماسكة تمكنها من كسب التأييد أو تقديم بديل جدير بالثقة للزعامة الحالية للبلاد. أي أن النخبة الحاكمة تتصارع فيما بينها؛ لأنها لا تجد طرفا آخر تتصارع معه.

والآن، في ظل إظهار ميدفيديف لما يبدو وكأنه علامة قوة، فنستطيع أن نقول إن حملة الانتخابات الرئاسية قد بدأت رسميا. والحق أن الانتخابات الروسية لن تعتمد على من كان أكثر سُخطا على لوجكوف. ذلك أن الخيارات المتاحة للساخطين على النظام بين الروس لا تزال محدودة: فإما أن يدعموا مرشحا معارضا هامشيا وضعيفا ولا يتمتع بمصداقية، وإما أن يتشبثوا بالأمل في التحديث من القمة، وأن يقفوا في صف النظام الذي يعارضون.

ولا جديد في انعدام ثقة الجماهير التي عبر عنها أشخاص مثل تشوبايس أو يورجينز، أو في رغبة ميدفيديف المفترضة في فرض التحديث من القمة. (فقد رأينا ''ذوبان'' خروشوف، وبيريسترويكا جورباتشوف تتطوران على النحو نفسه). أما الجديد، في روسيا على الأقل، فيتلخص في ظهور المقاومة المنظمة لهذا النموذج الفاشل.

فبعيدا عن المعارضة التقليدية، ظهرت في الأعوام العديدة الأخيرة مبادرات شعبية غير سياسية عديدة أبدت احتجاجها على سياسات حكومية بعينها ـــ الأمر الذي قادها على نحو حتمي إلى المواجهة مع النظام السياسي القائم. من المؤكد أن مثل هذه المبادرات لم تكتسب حجما كبيرا، ولا شك أن المعارضة السياسية تحاول على نحو لا ينقطع استغلال هذه المبادرات لإضفاء قدر أعظم من المصداقية على قضيتها. ولكن هؤلاء الناس ـــ سائقي السيارات، وعمال البيئة المتطوعين، ومنظمي الحملات الخيرية ـــ وليس الساسة الروس، هم الذين يمثلون أفضل أمل للبلاد في التحديث.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية