الاثنين, 26 أكتوبر 2026|14 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يتفق أهل الاقتصاد عموماً على مزايا الانفتاح في التجارة. لكن الحجة الداعية إلى عدم التمييز في التجارة لا تقل عن الحجة الداعية إلى أن الانفتاح قوة. وهذا يعني أن السياسة التجارية الجيدة لا بد أن تدفع في اتجاه التحرير التجاري المتعدد الأطراف مثل جولة الدوحة، بدلاً من إبرام الاتفاقيات التجارية التفضيلية مثل اتفاقيات مناطق التجارة الحرة، هذا فضلاً عن ضرورة ضمان عدم تحول أي تراجع باتجاه نزعة الحماية إلى ممارسات تجارية تمييزية.

والواقع أن القمة الأخيرة لمجموعة العشرين, التي استضافتها كندا, كانت محبطة على الجبهة الأولى. فتحت إصرار من الولايات المتحدة، أسقِطَت إشارة مجموعة العشرين في وقت سابق إلى ضرورة وضع موعد محدد لاستكمال جولة الدوحة. وبدلاً من ذلك رأينا باراك أوباما وهو يفرك الجرح بالملح عن غير قصد فيعلن استعداد إدارته لإتمام اتفاقية التجارة الحرة مع كوريا الجنوبية.

وعلى الجبهة الثانية، هناك تقارير حديثة محزنة تؤكد أن وزارة التجارة الأمريكية تسعى إلى استكشاف السبل لتعزيز صرامة تدابير مكافحة الإغراق، التي بات من المتفق عليه عموماً الآن أن تكون في هيئة تدابير حماية تمييزية تستهدف على نحو انتقائي البلدان والشركات الناجحة في مجال التصدير. ولا يقل عن هذا إثارة للحزن ذلك القرار الذي اتخذه أوباما في الثالث عشر من آب (أغسطس) بالتوقيع على مشروع القانون الذي حصل على الموافقة في جلسة خاصة نادرة لمجلس الشيوخ، الذي يقضي بزيادة رسوم تأشيرات العمل المؤقتة، من أجل تغطية نفقات فرض الحدود المتزايدة.

ولقد استمد هذا الاقتراح قوته من المخاوف القديمة بشأن برامج تأشيرات العمل المؤقتة, التي أثارها عضو مجلس الشيوخ الجمهورية تشاك جراسلي وعضو مجلس الشيوخ الديمقراطي ريتشارد دوربين، التي اجتذبت في الآونة الأخيرة رعاية عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي القوي النفوذ تشارلز شومر من نيويورك. وكان شومر يشعر دوماً بالانزعاج الشديد إزاء ''انتقال التصنيع إلى الخارج'' باعتباره سبباً لتقويض المصالح الاقتصادية الأمريكية، حتى إنه تحالف مع رجل الاقتصاد المناصر لجانب العرض بول كريج روبرتس. لكنه اكتسب قدراً عظيماً من النفوذ مع اندلاع الأزمة الحالية، والواقع أن المخاوف إزاء مستويات البطالة المستعصية تعمل على تمكين الساسة من تبرير كل أشكال العلاجات التي تتسم بجاذبية سطحية.

وعلى هذا فقد جرى التأكيد على أن فرض ضريبة على العمال الأجانب من شأنه أن يقلل من أعداد العمال القادمين الذين ''يستولون على الوظائف'' من المواطنين الأمريكيين. ولقد زعم العديد من مؤيدي الاقتراح، في حجة مفككة، أن هذه الضريبة من شأنها أن تثني العمال الأجانب عن الدخول إلى الولايات المتحدة وأن تزيد من العائدات في الوقت نفسه.

إن استسلام أوباما هنا يجسد المبدأ القائل إن التراجع يؤدي غالباً إلى المزيد من التراجع، مع سير جماعات الضغط الجديدة على خطى نظيراتها. ولعل الخطأ الأكبر هنا، كما كانت الحال مع إضافة الفقرات الخاصة بشراء الأمريكي إلى التشريع الأمريكي، كان يتلخص في السماح لقانون توظيف العمال الأمريكيين بالاندراج تحت مشروع قانون التحفيز. وهذا من شأنه أن يزيد من الصعوبات التي تواجهها الشركات الأمريكية الراغبة في الحصول على الدعم من الحكومة الأمريكية لتعيين مهاجرين مهرة بالاستعانة بتأشيرات عمل مؤقتة: حيث بات لزاماً عليها أن تثبت أولاً أنها لم تسرح ولم تخطط لتسريح عمال أمريكيين في وظائف مماثلة.

وأياً كانت أوجه القصور التي تعيب هذه التدابير من حيث السياسة الاقتصادية، فإن الفقرة الخاصة بزيادة رسوم التأشيرات هي في حد ذاتها فقرة تمييزية، وبالتالي فإنها تخالف قواعد منظمة التجارة العالمية المناهضة للتمييز بين الشركات المحلية والأجنبية، أو بين الشركات الأجنبية من بلدان مختلفة ملتحقة بعضوية منظمة التجارة العالمية. وفي حين يعتبر المحامون تشريع رسوم التأشيرات غير تمييزي، فإن تصميم هذا التشريع يمنح الشركات الأمريكية ميزة واضحة في مواجهة الشركات الأجنبية.

فهذا الرسم ينطبق على كل من الشركات الأجنبية والأمريكية التي توظف ما لا يقل عن 50 عاملا, على أن يكون 50 في المائة منهم أو أكثر من العمال الأجانب الحاصلين على تأشيرات عمل مؤقتة. لكن الشركات الأمريكية تتمتع بقدرة إضافية في الحصول على العمال الأجانب طبقاً لقانون الهجرة. وستكون الهند الخاسر الرئيس نسبة إلى الشركات الأمريكية، وفي ظل التأثير السلبي الذي خلفه هذا التدبير في العديد من الشركات الضخمة، مثل شركة إنفوسيس وشركة ويبرو، فإنها ستكون أيضاً الخاسر الرئيس في مواجهة الشركات الأصغر حجماً, التي تزاول تجارتها أو صناعتها في الخارج من بلدان أخرى. والواقع أن الحكومة الهندية لم تتردد في إثارة هذه الاعتراضات, فضلاً عن احتمال رفع شكوى رسمية إلى آلية تسوية المنازعات التابعة لمنظمة التجارة العالمية.

إن مثل هذه التصرفات المنطوية على تمييز واضح في السياسات التجارية تجد العون في وسائل الإعلام وبعض المراكز البحثية البارزة في أمريكا. على سبيل المثال، في أعقاب مأساة الفيضانات التي ألمت بالشعب الباكستاني، ارتقت الولايات المتحدة وحكومات أخرى إلى مستوى الحدث بتقديم مساعدات طارئة. لكن كانت هناك أيضاً مقترحات بإعفاء المصدرين الباكستانيين من الرسوم الجمركية؟ لكن هذا كان ليشكل تمييزاً ضد البلدان النامية غير المعفاة من الرسوم الجمركية، إذ يعني مساعدة باكستان على حساب هذه البلدان.

ومن المدهش أن نانسي بيردسال من مركز التنمية العالمية، التي تؤيد مثل هذا النوع من التمييز، كتبت على نحو ساخر تقول إن مثل هذه السياسة ''لن تؤثر إلا قليلاً في منتجي المنسوجات في الولايات المتحدة''. ومن المؤسف أن وسائل الإعلام الرئيسة في الولايات المتحدة، بما في ذلك ''نيويورك تايمز'' ''ووال ستريت جورنال''، أيدت هذا الاعتداء المؤسف على ما تبقى من عناصر عدم التمييز في نظام التجارة العالمي.

هل من قبيل الاستغراق في الأوهام أن ننتظر من إدارة أوباما، التي كانت حتى الآن مفرطة في الاستجابة للاقتصاد الضعيف والسياسات القوية، أن تتصدى بقوة لمثل هذه المطالب؟

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية