ليس في الإمكان وضع خطة شاملة للقطاع الخاص في خطة التنمية مثلما هو حال القطاع الحكومي، غير أن التخطيط التأشيري، يتولى القيام بهذه المهمة، فالتخطيط التأشيري هو منهجية التخطيط المعني بالقطاع الخاص، هكذا تسميه أدبيات التنمية، لأنه ليس في الإمكان عملياً التخطيط للقطاع الخاص بمنظور شامل على النحو الذي يتم التخطيط فيه للقطاع العام. فالدولة بمرافقها وأجهزتها وبرامجها ومشاريعها تحكمها مركزية القرار والاتفاق والسياسات الاقتصادية، حيث تنتظم جميع الأجهزة الحكومية تحت مظلة إشراف وتمويل ومراقبة تتولاها الدولة بنفسها من خلال أجهزة تخصص لهذه الأغراض، حيث تقدر لكل جهة حكومية ميزانيتها وتحدد برامجها ومشاريعها وقواها البشرية، وما إلى ذلك، وفق منظور شامل ومعايير شبه موحدة لمجريات العمل فيها، كل حسب مهامه، وبالتالي يمكن تقدير السقف الكلي لتنفيذ الخطة بناء على ما يتم إقراره من مجمل البرامج والمشاريع وبناء على الدخل الوطني الإجمالي آخذاً في الاعتبار لسياق لسابق في معدلات نموه وفي اللاحق منها، الأمر الذي يمكن معه وضع خطة تنموية فعلية قابلة للتنفيذ ويتيح في الوقت نفسه متابعة التنفيذ في مختلف مراحله ونسبة التحقق والعقبات التي تعترض التنفيذ، وبالتالي سبل معالجة ذلك.
القطاع الخاص يتوزع على خريطة الوطن لا تحكمه جهة بعينها ولا نظام محدد، وإنما هو نشاط حر عارم يشارك فيه الأفراد والشركات والمؤسسات، وتسهم الدولة كشريك فيه في بعض القطاعات الحيوية، وبالتالي تستحيل إمكانية وضع خطة شاملة للقطاع الخاص لأن كل وحدة فيه، صغيرة كانت أم كبيرة، لها تمويلها وأهدافها وسياساتها واستراتيجياتها، وبالتالي برامجها ومشاريعها كما أن لها بالضرورة نظامها الإداري وقواها البشرية الخاصين.
لكن القطاع الخاص، سواء في مؤسساته الصغيرة والمتوسطة أو الكبرى، يتحمل عبء النهوض بجوانب كثيرة ومهمة من العمليات التنموية في سائر القطاعات والأنشطة تشغيلاً وإدارة وصيانة مثلما هو في الوقت نفسه الممول الأساس لها، وهذا يعني أنه يمثل الجناح الثاني لطائر التنمية، وربما الأكثر حيوية أو الذي باتت تزداد الحاجة إليه في ألا يصبح شريكا مع الدولة في صناعة التنمية، وإنما ينافسها في حيويته وفي كفاءة وجودة مخرجاته، وبالتالي احتلال مركز متقدم في تكوين مجمل الدخل الوطني والقدرة الاقتصادية للوطن، ليحقق ما تتطلع إليه التنمية من تنويع لقاعدة اقتصادنا الوطني، وبما يحد من الاعتماد على العوائد من النفط أو من الثروات الطبيعية الأخرى التي تديرها الدولة وتشكل حالياً مصدراً غالباً في تمويل التنمية.
التخطيط التأشيري آلية التخطيط لمعرفة مكونات القطاع الخاص ودوره في إثراء التنمية بالعمل والبناء والموارد الاقتصادية، وبالتالي فالتخطيط للتنمية يضع في تقديراته لأنشطة العمل الوطني الكلي أداء القطاع الخاص الراهن ويستخلص منه توجهات خططه واستراتيجياته وسياسته ويستجمع أقيامه الإضافية للاقتصاد الوطني، سواء في إجمالي دخوله أو في القوى الوطنية وغير الوطنية العاملة فيه، فضلاً عن مواقع ونوعية الأنشطة، ما يسهم في تحديد الإيجابي والمميز فيها أو ما يعترضه من نقص أو قصور في المستوى الفني وفي جدوى الاقتصاد به.
هذا المشهد الشاسع التنوع للقطاع الخاص حين يوضع تحت عدسة الدراسة والبحث والاستقصاء بالتعاون الوثيق والتنسيق المستمر بين ممثلي هذا القطاع ووزارة الاقتصاد والتخطيط المسؤولة عن إعداد خطة التنمية الشاملة سيقدم مؤشرات لتوجهات القطاع الخاص، ويسفر عن المنجزات المستهدفة فيه ما يسمح بالتعرف على ملامح مخرجاته الراهنة والمستقبلية وحجم إسهامه في التوظيف، وفي محمل الدخل الوطني، مثلما يسمح ذلك بوضع سياسات ومرتكزات له خلال الخطة يتشارك في صياغتها ممثلون عن القطاع الخاص مع الوزارة، أولئك من واقع خبرتهم وتجاربهم في ممارسة العمل الخاص والوزارة من خلال منهجيتها والأسلوب الفني المتبع لديها في عملية إعداد الخطط.
وإذا كان التخطيط للقطاع العام يخضع لضوابط إدارية ومالية تشرف عليها الدولة، وبالتالي فإن إمكانية المتابعة والمحاسبة منوطة بها، فإن القطاع الخاص يمتلك حرية ضبط نفسه مؤسسياً فلا شأن لشركة أو مؤسسة أو فرد بالآخر ولا وصاية لأحد على أحد، وإنما توفر له هذه الحرية الحرص على المنافسة في الإنجاز وتعظيم الربح بما يحقق لهذه الجهة أو تلك المكانة المادية والمعنوية ويمنحها التطور والاستمرار المشرفين .. أي أن التخطيط التأشيري يشكل لمختلف جهات القطاع الخاص الداعم الفني لوضعها داخل الخطة الشاملة للتنمية كون جهات القطاع الخاص في الأساس تضع في اعتبارها علاقتها الوطيدة بين ما تنجزه الدولة من ناحية وما تنجزه هي في القطاع نفسه وأثرها كشريك في صناعة اقتصاد التنمية وحافز على المنافسة في إنتاج الجودة وزيادة الدخول، فيما يشكل في النهاية في مجموعه قوة في اقتصاد التنمية الوطنية.
