في نهاية شهر رمضان ظهرت مواضيع صحفية فيها تقويم للمحطات الفضائية من حيث عدد المشاهدين، وكذلك للبرامج المعروضة فيها. من خلال متابعة الردود على مثل هذه المواضيع، كان هناك تشكيك بمصداقية الجهات القائمة بتلك الدراسات، وبآلية المسح والاستطلاع والاستبيانات. فهناك من وصفها بأنها إعلان مدفوع الثمن، وآخر انتقد عدم استخدام المعايير الحيادية في التقييم، إضافة إلى ملاحظات القراء وتشكيكهم في صحتها، لم يكن هنالك تفاصيل للتفوق إن وجد.
إن قضية تقييم أي عمل أو مؤسسة، أصبحت من القضايا التي تحتاج إلى التحري في مدى مصداقيتها. فمثلا خلال السنوات الثلاث الماضية فوجئنا بتقييم للجامعات، من قبل جهات ربحية (تدّعي الحيادية)، وهو ما عكسته بعض النتائج التي لم تكن تتناسب مع المستوى الحقيقي للمؤسسة الأكاديمية. الوضع نفسه ينطبق على التقييمات الخاصة بالمحطات الفضائية (ذات الدفع والضغط العالي)، التي لا تخضع في تقويم جودتها وجماهيريتها لمؤسسات مستقلة ومتخصصة.
قبل سنتين قرأت لكاتب تونسي، كان قد أدى فريضة الحج، ما خلاصته، أنه قد وجد صورة مغايرة للمجتمع السعودي عما شاهده في مسلسلات (سعودية) كوميدية مثل «طاش» وغيرها. كانت توصيته: أن تكون أعمالنا الدرامية تعبيرا عما عليه عموم الشعب السعودي، من كرم وشهامة وتمسك بالهوية العربية الإسلامية الأصيلة.
فيا ترى هل الدراما السعودية، والكوميديا منها على الأخص، حققت ذلك الهدف؟ أو بعبارة أخرى: هل مسلسلاتنا تعكس الصورة الإيجابية عن المملكة والشعب السعودي، أم هي مجرد كوميديا سوداء ساخرة تقوم بتكريس صورة نمطية مشوهة لإضحاك الآخرين من أجل تحقيق عوائد مادية تصب في جيوب أصحابها؟
لقد صُدمت وغيري في بداية الشهر بمشاهدة «خالي بطرس» (خال السدحان والقصبي) وما عكسه من الصورة السيئة للتدين وأخلاق الشعب السعودي، والدعاية الرخيصة لأخلاقية شعب خالهم بطرس. السؤال البديهي البسيط الذي يطرحه أي مواطن في هذه البلاد الذي كان محل تشويه وسخرية من أصحاب «طاش» هو: لو أن مواطنا سعوديا تقطعت به السبل في بلد خالهم بطرس هل يتكرم شعب بطرس بأن يضيفه (ولو ليوم واحد) حتى يرجع؟
بالمقابل .. هل حاول الذين ينعتون المواطن السعودي بكل قبيح، أن يظهروا القيم الجميلة لشعب يتنافس في مساعدة الضعيف وإكرام الضيف؟ متى اشتكى من (تخلف) السعوديين، الذي يصر «طاش» على تأكيده، أكثر من سبعة ملايين إنسان قدموا لهذا البلد وليس لديهم أي مبالغ، وبعضهم مكث عشرات السنين؟ هل كان أصحاب «طاش» وطنيين بما يكفي لإظهار أننا من أكثر شعوب الأرض تعايشا مع الآخر؟
هنالك صورة أخرى لم يهتم بإبرازها أصحاب «طاش» الذين مردوا على السخرية منا ونعتنا بكل قبيح. قبل ظهور البترول فتكت بنا الأمراض ولم يأت خالهم بطرس أو غيره لمساعدتنا، حيث كانوا في أحسن حال، أما نحن فلا يُنكب شعب في العالم إلا وتذهب له مساعدات هذا البلد (أدام الله عزه). أم أن الكسب المادي لا يتحقق إلا بتتبع عورات الوطن والمواطنين وعرضها في قنوات (الخال بطرس)؟
مسألة أخرى جديرة بالتوقف عندها، أن المتابع للمسلسلات والدراما السورية يلاحظ فيها تعظيما لقيم وأخلاقيات المجتمع الشامي، وكذلك حرصه ومحافظته على العرض والشرف، أما الكوميديا الطاشية السعودية، فتجد تعريضا بمن يتمسك بالقيم والأخلاق ويغار على عرضه. بل هنالك اصطناع وتضخيم بذيء لأشياء نادرة إن لم تكن غير موجودة في مجتمعنا، مثلما حدث في إحدى حلقات «طاش»، حينما جاءوا بما يسمى إسعاف إسلامي، حيث تلاحظ المبالغة والسخرية والتهكم بطريقة سقيمة تعبر عن حالة مرضية لأصحاب «طاش».
قد يقول قائل إن هذه المسلسلات تعكس هموم المواطن السعودي!! هذا يمكن أن يكون مقنعا ومقبولا. لكن لو تذكرنا كيف أن دريد لحام (غوار) استطاع - على الرغم من الرقابة والكبت الإعلامي - أن يعبر عن هموم الشعوب العربية بأسلوب كوميدي ليس فيه إسفاف وتجاوز، وقد وجدت قريبا من ذلك في مسلسل «سكتم بكتم» الكوميدي، حيث أجاد الممثل الوطني المتألق فايز المالكي في عرض كثير من القضايا بأسلوب غير مؤدلج وخال من الإسفاف وتحقير الآخر، بل يؤصل للمحافظة والغيرة على الدين والأعراض، ما أعاد المشاهد إلى القناة الأولى، وهو ما يشير إلى صلاح فطرة المواطن السعودي ونفوره من الإسفاف والإيحاءات المشينة، التي صارت سمة حلقات «طاش». خلاصة الكلام أننا نحتاج إلى دراما سعودية تعكس الجوانب الإيجابية للمجتمع السعودي وأن لا تكون قصصا مؤدلجة هدفها الإثارة وتصفية حسابات.
