أهمية الموضوع:
تتمثل أهمية موضوع صناعة تحلية مياه البحر في المملكة العربية السعودية في كونها من أهم وأكبر صناعات تحلية المياه المالحة على مستوى دول العالم، إن لم تكن الأكبر على الإطلاق، حيث يبلغ إنتاج هذه الصناعة من المياه المحلاة في المملكة قرابة 5.168.763 مترا مكعبا يومياً، ويبلغ إنتاج هذه الصناعة من الكهرباء قرابة (14.171.5) ميجا واط، وهو ما يمثل قرابة 23 في المائة من إجمالي القدرة الكهربائية المركبة Installed Capacity حالياً في المملكة.
وهذان الرقمان يشملان الإنتاج الحالي وإنتاج المشاريع تحت الإنشاء حالياً، ولم يتم الأخذ في الحسبان المشاريع المستقبلية المزمع طرحها أو تنفيذها ومنها مشروع رأس الزور.
ونظراً لأهمية الموضوع وأننا في المملكة حالياً بصدد استكمال الجوانب التنظيمية لهذه الصناعة بحيث يصدق وصف هذه المرحلة بمرحلة المخاض لما يمكن أن تكون عليه هذه الصناعة مستقبلاً، فإني قد آثرت التركيز على الجانب العملي من هذه الدراسة مقرونا بجملة من التوصيات والملاحظات.
علاقة الإطار القانوني بالنمو الاقتصادي:
التنظيم الجيد يسرع بعجلة الاقتصاد ويشجع المستثمرين، وأي غموض نظامي أو كلفة في تطبيق القانون ستتم ترجمته إلى مخاطر والمخاطر تفضي إلى إحدى نتيجتين بالنسبة للمستثمر إما الإحجام عن الاستثمار بالكلية وإما رفع التكلفة، وهذا من شأنه أن ينعكس سلباً على النمو الاقتصادي لهذه الصناعة.
المبحث الأول
الإطار القانوني الحالي لصناعة تحلية مياه البحر
يتمثل الإطار القانوني الحالي لصناعة تحلية مياه البحر في المملكة في جملة من الأنظمة والقرارات التي توالى صدورها منذ تاريخ اعتماد تأسيس المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة عام 1394هـ وإلى الآن.
ومن خلال تأمل هذه الأنظمة والقرارات يمكننا الوقوف على بعض الإيجابيات والمكتسبات القانونية المطلوب استمرارها واستصحابها في أي إطار قانوني مستقبلي، وفي الوقت نفسه يمكننا ملاحظة عدد من السلبيات والثغرات القانونية المطلوب تلافيها ومعالجتها مستقبلاً عند إعداد أو استكمال الإطار القانوني المستقبلي لهذه الصناعة، وذلك حسب التفصيل الآتي:
أولاً: بعض الايجابيات والمكتسبات في الإطار القانوني الحالي:
1. توحيد جهة التنظيم لهذه الصناعة باعتماد منظم واحد لجميع أنشطتها ويتضح ذلك من خلال نظام الكهرباء وقراري مجلس الوزراء رقم 163 ورقم 154 وقرار المجلس الاقتصادي الأعلى القاضي بالموافقة على البرنامج التنفيذي لتخصيص المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة.
2. وضوح الرؤية في قرار المجلس الاقتصادي الأعلى الصادر بالموافقة على إستراتيجية التخصيص في المملكة العربية السعودية، وصدور الأنظمة والقرارات اللاحقة متماشية مع هذه الرؤية في أغلب أحكامها.
3. مواكبة أغلب الأنظمة والقرارات الصادرة أخيرا بشأن التخصيص لمستجدات النمو الاقتصادي.
ثانياً: بعض الثغرات القانونية في الإطار القانوني الحالي:
1. ضبابية نظام الكهرباء فيما يتعلق بموضوع فرض الجزاءات من قبل المنظم أفضى إلى سلب المنظم صلاحية فرض الجزاءات والعقوبات واتخاذ الإجراءات الاحترازية اللازمة لمنع المخالفات بشكل مباشر وإسناد ذلك إلى جهة مستقلة عن المنظم شبه قضائية من المفترض أن تكون جهة تظلم من قرارات الهيئة الصادرة بهذا الخصوص لا أن تكون الجهة المختصة بفرض الجزاءات ابتداء، وهذه تشكل ثغرة قانونية جسيمة في النظام.
2. على الرغم من أن جميع أنشطة التحلية قد ضمّت إلى منظم واحد، إلا أن بعض هذه الأنشطة قد تم ضمّها من خلال قرار مجلس الوزراء رقم (154) وليس من خلال نظام صادر بمرسوم ملكي، كما أن هذا الضم تم بقرار لاحق لصدور نظام الكهرباء مما ترتب عليه خلو النظام من عدد من الجوانب والأحكام المتعلقة بتحلية المياه، علاوة على اختلاف الأداة النظامية التي تم بموجبها إلحاق هذه الأنشطة بالمنظم.
3. لم تتم معالجة مخالفات التعدي على المرافق العامة بشكل صحيح ومتكامل في نظام الكهرباء ما نتج عنه تشتت الاختصاصات بين الوزارة والهيئة فيما يتصل بهذا الموضوع.
4. على الرغم من إسناد نظام الكهرباء صلاحية اعتماد خطة هيكلة صناعة الكهرباء وتحلية المياه إلى المنظم وعلى الرغم من اعتماد هذه الخطة منذ سنوات إلا أنه وإلى الآن لم يتم تنفيذ هذه الهيكلة رغم أهميتها وكونها تمثل حجر الزاوية في نجاح الخصخصة والتنافس في هذه الصناعة، مما يؤكد أهمية دور أجهزة الدولة المعنية في إنجاح الهيكلة، وأن هذا ليس مرهوناً بجهود المنظم فقط، لأنه عادة ما ترتبط الهيكلة بشركات ومؤسسات إما مملوكة بالكامل للدولة وإما أن الدولة تمتلك أغلب أسهمها.
المبحث الثاني
الإطار القانوني المستقبلي لصناعة تحلية مياه البحر
في ضوء الأنظمة والقرارات الصادرة لتنظيم هذه الصناعة، يمكن تكوين رؤية لما يمكن أن يكون عليه الإطار القانوني المستقبلي على النحو الآتي:
1. الأنظمة السارية حالياً والمرجح استمرار سريان أحكامها في المستقبل، وتتمثل في:
أ. البرنامج التنفيذي لتخصيص المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة الصادر بقرار المجلس الاقتصادي الأعلى رقم (2 ــ 29) وتاريخ 29/06/1429هـ.
ب. جملة الأنظمة والقرارات التي اعتمدت منذ صدور إستراتيجية التخصيص بتاريخ 1423هـ وإلى الآن.
2. مشروع نظام المياه الشامل:
حيث تعكف وزارة المياه والكهرباء على إعداده حالياً، حيث تم إلى الآن عقد ثلاث ورش عمل، كما تم الانتهاء من صياغة المسودة الأولى لهذا النظام والتي تميزت بشموليتها لجميع الجوانب المتعلقة بالمياه.
3. مشروع مقترح:
من أجل تلافي السلبيات التي سبق الإشارة إليها في المبحث الأول من هذه الورقة فمن المقترح إجراء الآتي:
3-1. تعديل نظام الكهرباء ليشمل الأحكام المتعلقة بصناعة تحلية مياه البحر، وتعديل اسم النظام من ''نظام الكهرباء'' إلى ''نظام الكهرباء وتحلية المياه '' للأسباب الآتية:
أ. ضم الأحكام المشتركة في نظام واحد لتسهيل الرجوع إليها عند الحاجة.
ب. تناول موضوع التحلية في نظام آخر (غير نظام الكهرباء) يفضي إلى تكرار أغلب الأحكام الواردة في نظام الكهرباء بنسبة كبيرة، ولا شك أن هذا التكرار يتعارض مع متطلبات الصياغة التشريعية الصحيحة.
ج. درء التعارض المحتمل بل المرجح بين أحكام نظامي الكهرباء والمياه نظراً للتداخل والتقاطع الواضح بين أحكام النظامين فيما يتصل بموضوع تحلية مياه البحر، ويظهر هذا التعارض المحتمل على وجه الخصوص في الآتي :
1. مهام هيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج واختصاصاتها (وهي اختلافات كثيرة جدا).
2. آلية ضبط المخالفات والتفتيش.
3. آلية تسوية المنازعات.
4. صلاحية إصدار اللوائح التنفيذية.
5. العقوبات.
3-2. تعديل بعض أحكام نظام الكهرباء وفقاً لما سبق الإشارة إليه في المبحث الأول.
المبحث الثالث
ما يتطلب مراعاته لتكوين إطار قانوني مستقبلي
يوجد عدد من المفردات اللازمة لتكوين إطار قانوني مستقبلي جيد لهذه الصناعة ويتمثل أهمها في الآتي:
المطلب الأول: ارتباط صناعة تحلية مياه البحر في محطات الإنتاج المزدوج بصناعة الكهرباء:
أثبتت التجارب والممارسات المحلية والعالمية أهمية الارتباط العضوي بين صناعة تحلية مياه البحر بواسطة محطات الإنتاج المزدوج وصناعة الكهرباء بصفة عامة وبنشاط توليد الكهرباء من تلك المحطات بصفة خاصة، و من أبرز مبررات هذا الارتباط ما يلي:
أولاً: مبررات فنية:
1. تمثل نسبة الكهرباء المنتجة من الإنتاج المزدوج نحو 23 في المائة من إجمالي القدرة الكهربائية المركبة حالياَ في المملكة العربية السعودية، كما أنه من المتوقع زيادة مطردة في هذه النسبة في المستقبل القريب عند دخول عدد من محطات الإنتاج المزدوج التي تحت الإنشاء حالياً.
لذا كان من اللازم تنظيم هذه النسبة من قبل منظم الكهرباء حتى لا تؤثر سلباً في معدلات العرض والطلب وتوقيت وطبيعة وتقنيات وجودية نشاط توليد الكهرباء بالمملكة وتأثير ذلك في استقرار بقية المنظومة الكهربائية.
وحيث إن توجه المملكة إلى زيادة هذه النسبة مستقبلاً وبشكل تدريجي نظراً لحاجتها إلى كلا المنتجين (الماء والكهرباء) بكميات كبيرة، ونظراً للكفاءة العالية لإنتاج الماء والكهرباء من هذه المشاريع فإن هذا يؤكد أهمية التنسيق المتكامل والمتزامن بين كل من صناعة تحلية مياه البحر ونشاط توليد الكهرباء من مشاريع الإنتاج المزدوج.
2. نتيجة لطبيعة نشاط توليد الكهرباء وعدم قدرة مقدم الخدمة على تخزينها وحتمية استخدامها فور توليدها، ما يتعين معه فرض قيود ومحددات فنية كثيرة على طبيعة وتقنية تحلية مياه البحر في مشاريع الإنتاج المزدوج حيث يجب التزامن الكامل في استمرارية توليد منتجات تلك المشاريع من مياه محلاة و كهرباء، ولهذا السبب اتجهت التجارب العالمية والمحلية إلى إسناد مسؤولية تنظيم ومراقبة تشغيل مقدمي خدمات هذه الأنشطة ذات الطبيعة المتزامنة لمنظم واحد لضمان عدم تعارض المعايير والإجراءات والقواعد المتبعة لتلك الأنشطة.
3. المملكة تتبنى حالياً توجهاً نحو رفع كفاءة الاستخدام الأمثل للوقود وذلك بجعل الأولوية في تخصيص الوقود المناسب لمشاريع الإنتاج المزدوج مما يساعد على تقليل تكلفة الإنتاج وبالتالي تخفيض تعريفة تقديم خدمات الكهرباء والمياه المحلاة للمستهلكين.
4. استنادا لما سبق، تجدر الإشارة إلى أنه قد تمت أخيرا الموافقة على تعديل كود نقل الكهرباء بحيث ينص على جعل أولوية الترحيل للكهرباء المنتجة من مشاريع الإنتاج المزدوج تشجيعاً لمثل هذه المشاريع، وتماشياً مع أحكام الفقرة (ج) من الفقرة (5) من المادة الرابعة من نظام الكهرباء والتي تنص على الآتي: ''تشجيع مشاريع محطات الإنتاج المزدوج للكهرباء والماء وإعطائها الأولوية في التشغيل''. ثانياً: مبررات اقتصادية:
1. نظراً لطبيعة التقنيات المستخدمة في مشاريع الإنتاج المزدوج حيث يتزامن إنتاج الكهرباء مع إنتاج المياه المحلاة أو البخار، وبالتالي تكمن أهمية الجانب الاقتصادي في هذا الموضوع في الدعم البيني بين المنتجات Cross Subsidy ولا سيما أن لها طبيعتين وسوقين مختلفين، ولكون مسؤولية تحقيق المنافسة وعدالة الأسعار منوطة بمنظم الكهرباء، وبالتالي تقع عليه مسؤولية تلافي الدعم البيني مع المنتجات الأخرى المتزامنة مع إنتاج الكهرباء، فإن ذلك يتطلب منح هذا المنظم الصلاحية الكاملة لتنظيم هذه المنتجات.
2. حيث إن توجه المملكة هو تعزيز مبدأ التنافس المشروع والعادل و توفير المناخ المناسب لتحفيز مشاركة واستثمار القطاع الخاص في أنشطة صناعة الكهرباء وتحلية مياه البحر ما كان له الأثر البالغ في جلب عدة مطورين متنافسين من القطاع الخاص بغرض تطوير وتشغيل مشاريع إنتاج المياه المحلاة والكهرباء الخاصة بطريقة IWPP فإن وجود أكثر من منظم واحد (يضمن عدم تعارض التنظيمات واللوائح المفروضة على مطوري أو مشغلي مثل تلك النشاطات المتزامنة والمرتبطة عضويا لإنتاج المشروع الواحد) يشكّل مخاطر تنظيمية عديدة على المستثمرين مما قد ينتج عنها زيادة في أسعار وتكلفة المشاريع أو إحجام عدد من المطورين عن الدخول في التنافس على مشاريع IWPP في المستقبل. ثالثاً: التجربة الإقليمية والعالمية:
1. يتولى منظم الكهرباء تنظيم مشاريع الإنتاج المزدوج في إمارة أبو ظبي، حتى إن جميع المشاريع المرخصة بإنتاج الكهرباء في إمارة أبو ظبي هي مشاريع إنتاج مزدوج (IWPP)
.
2. يوجد منظم واحد لمشاريع الكهرباء والإنتاج المزدوج في سلطنة عُمان، وقد صدر مرسوم سلطاني بإصدار قانون واحد لتنظيم هاتين الصناعتين يسمى (قانون تنظيم وتخصيص قطاع الكهرباء والمياه المرتبطة به).
3. كما اتبع عدد من البلاد مثل المملكة المتحدة وشمال آيرلندا وجمهورية آيرلندا وغيرهما من بلاد شمال امريكا أسلوب إيكال مسؤولية تنظيم قطاعات الإنتاج أو الصناعات ذات الترابط الوثيق كالغاز والكهرباء، على سبيل المثال، إلى منظم واحد لضمان سلاسة وعدم تعارض القواعد والتنظيمات واللوائح.
المطلب الثاني: ارتباط أنشطة تحلية مياه البحر (أحادية الغرض) ونقل المياه المحلاة والمتاجرة في منتجاتها بصناعة الكهرباء:
أ. في ضوء التدرج التنظيمي الذي ابتدأ من حين صدور قرار إنشاء الهيئة بتاريخ 27/08/1422هـ ومروراً بقراري مجلس الوزراء رقم 163 وتاريخ 17/05/1425هـ ورقم 154 وتاريخ 04/05/1428هـ اللذين تم من خلالهما ضم أنشطة الإنتاج المزدوج وتحلية المياه إلى الهيئة بناءً على الحيثيات القانونية والعملية التي تم بموجبها إجراء هذا الضم بزيادة الأنشطة المشمولة بالتنظيم من قبل الهيئة، وانتهاءً بصدور موافقة المجلس الاقتصادي الأعلى على البرنامج التنفيذي لتخصيص المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة بتاريخ 29/06/1429هـ، يتضح أهمية وجود منظم واحد لأنشطة الكهرباء وتحلية المياه ولعل من أبرز هذه المبررات ما أورده استشاريو المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة بضرورة إلحاق مشاريع التحلية أحادية الغرض ــ وتمثل 10 في المائة من المياه المحلاة بالمؤسسة ــ بالهيئة كعنصر أساسي في نجاح خصخصة المؤسسة.
ب. الممارسة الصحيحة ــ والمتماشية مع توصية المجلس الاقتصادي الأعلى ــ تتطلب وجود مشترٍ واحد للكهرباء والمياه المحلاة سواء كانت تلك المياه المحلاة منتجة من مشاريع الإنتاج المزدوج أو من مشاريع أحادية الغرض وذلك بهدف توحيد جهة التخطيط والطرح لهذه المشاريع، ولعل من نافلة القول الإشارة إلى ضرورة أن تكون هذه الجهة Off – Taker مرخصة وخاضعة لجهة تنظيمية واحدة.
ج. نظراً لعدم إمكانية فصل أنشطة تحلية المياه عن الكهرباء في المملكة وفقاً للحيثيات المشار إليها أعلاه، فمن غير الممكن أو المتصور أن يكون هناك أكثر من منظم لهذه الأنشطة، وهذا التصور يتوافق مع أحكام قرار مجلس الوزراء رقم 154 وتاريخ 04/05/1428هـ الذي تم بناءً على توصية المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة.
المطلب الثالث: اعتماد نموذج المشتري الرئيس:
أ. الفرق بين المشتري الوحيد Single buyer والمشتري الرئيس Principle buyer:
نموذج المشتري الوحيد يتمثل في إنشاء كيان مستقل أو شركة مستقلة، والأفضل أن تكون مملوكة بالكامل للدولة تتولى طرح جميع مشاريع الكهرباء وتحلية المياه في المملكة ومن ثمّ تكون هي المشتري الوحيد لجميع منتجات هذه المشاريع من الماء والكهرباء طوال مدة المشروع (عادة ما يكون ذلك لمدة 20 عاما)، وتكون هي وحدها المخولة قانونياً بشراء منتجات جميع محطات الكهرباء وتحلية المياه في المملكة.
في حين أن نموذج المشتري الرئيس علاوة على ما تقدم يكون من المسموح به قانوناً من الناحية التنظيمية شراء منتجات بعض المحطات من الماء والكهرباء من قبل كيانات أخرى غير هذا المشتري الرئيس (والمتمثلة في شركات التوزيع والمتاجرة وكبار المستهلكين) سواء كان شراء كاملا أو جزئيا لمخرجات بعض تلك المحطات.
ب. لماذا نموذج المشتري الرئيس:
يهدف تطبيق هذا النموذج إلى تلافي السلبيات التي عادة ما تصاحب تطبيق نموذج المشتري الوحيد مع الاحتفاظ بالايجابيات والفوائد المرجوة من تطبيق نموذج المشتري الوحيد.
- أهم الإيجابيات المرجوة من تطبيق نموذج المشتري الوحيد:
أ. جذب المستثمرين للاستثمار في هذه الصناعة من خلال عقود طويلة الأجل تضمن العائد اللازم على تلك الاستثمارات بلا مخاطر.
ب. توفير الموثوقية والاستقرار اللازم لهذه الصناعة.
ج. ضمان كفاية الإيرادات لهذه الصناعة.
- السلبيات المطلوب تفاديها في تطبيق نموذج المشتري الوحيد:
أ. عدم قدرة هذا النموذج على تقديم مؤشرات صحيحة للأسعار.
ب. تشكل العقود طويلة الأمد عائقاً أمام هذه الصناعة للانتقال إلى سوق مفتوحة تخضع فيه الأسعار لعوامل العرض والطلب وجودة الخدمة.
ج. المشتري الرئيس وصناعة الكهرباء:
- يثور هنا تساؤل مهم حول النموذج الأمثل لإنشاء المشتري الرئيس وعلاقته بهيكلة صناعة الكهرباء وتحلية مياه البحر في المستقبل، وبالتالي فإننا أمام خيارين في سبيل إنشاء هذا الكيان الجديد:
#2#
1. إنشاء مشترٍ رئيس لمشاريع تحلية مياه البحر ككيان مستقل تماماً عن المشتري الرئيس الخاص بمشاريع الكهرباء (شكل 1).
#3#
2. إنشاء كيان واحد يضطلع بمهام المشتري الرئيس لجميع مشاريع الكهرباء وتحلية المياه في المملكة (شكل 2).
- والخيار الثاني المشار إليه آنفاً هو الأسلوب الأمثل والذي تؤيده التجارب والممارسات العالمية والإقليمية، وهو النموذج المطبق حالياً في سلطنة عمان وإمارة أبو ظبي.
المبحث الرابع
الخـــلاصـة والـتـوصــــيات
من أجل تطوير إطار قانوني مستقبلي جيد لصناعة تحلية المياه في المملكة، فإنه يمكننا أن نخلص إلى أهمية مراعاة النقاط الآتية أثناء أي عملية تشريعية مستقبلية لهذا الغرض :
أولاً: استقلالية المنظم:
فمن متطلبات التخصيص وجذب الاستثمارات الخارجية لهذه الصناعة مراعاة المبادئ الأساسية اللازمة لضمان وجود منظم مستقل مالياً وإدارياً وفقاً لما هو متبع عالمياً وإقليمياً وتماشياً مع أحكام إستراتيجية التخصيص الصادرة من المجلس الاقتصادي الأعلى بتاريخ 23/03/1423هـ.
ومن غير المقبول أن يكون المنظم لا يعدو في حقيقته أن يكون إحدى الإدارات التابعة لإحدى الوزارات أو الجهات التنفيذية.
ولقد شكل موضوع استقلالية المنظم أول توصية من التوصيات التي تضمنها بيان اجتماع الطاولة المستديرة لمنظمي الطاقة على هامش اجتماع وزراء الطاقة للدول الثماني المنعقد في روما بتاريخ 24 أيار (مايو) 2009 حيث كانت المملكة ممثــّلةً في هذا الاجتماع.
ثانياً: جمع الصلاحيات التنظيمية تحت مظلة واحدة:
وذلك بأن يتم إسناد جميع الأحكام التنظيمية إلى منظم واحد بحيث يتمتع بجميع الصلاحيات اللازمة لأداء مهامه، فمن غير المقبول أن تكون المهام التنظيمية موزعة على أكثر من جهة ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر :
1. صلاحية إصدار اللوائح التنفيذية والمعايير والقواعد والإجراءات.
2. صلاحية المراقبة والضبط والتفتيش.
3. صلاحية تطبيق الجزاءات على المخالفين (وهذا يخضع لقانون العقوبات الإداري أو ما يُعرف بالقانون الإداري الجنائي).
لذا من المستغرب صدور توصيات من قبل بعض الاستشاريين أو المختصين بضم جميع الأنشطة المشمولة بالتنظيم تحت مظلة منظم واحد وفي الوقت نفسه تدعو التوصية إلى توزيع مهام المنظم الواحد بين عدة جهات مما ينتج عنه مزيد من التشتت والاضطراب.
ثالثاً: أهمية معالجة تنظيم أنشطة شركات المتاجرة المعنية بطرح مشاريع تحلية المياه (إنتاج مزدوج وأحادية الغرض)، وما الجهة المعنية بإصدار التراخيص والتنظيم في هذه الحالة؟ وهل من المتصور تولي أكثر من جهة تنظيم مثل هذا النشاط، بحيث تتولى جهة منح ترخيص لشراء الكهرباء وبيعه في حين تتولى جهة أخرى منح ترخيص آخر للشركة نفسها لشراء المياه المحلاة وبيعها، ونظراً للارتباط العضوي الوثيق بين الماء والكهرباء في مشاريع تحلية المياه وضرورة تولي تنظيم هذا النشاط من قبل منظم واحد فقط وهو الجهاز المعني بتنظيم الكهرباء، فإن هذا الحكم ينسحب كذلك على الجهات المعنية بطرح مشاريع الإنتاج المزدوج وتحلية المياه وشراء منتجاتها من الماء والكهرباء بحيث تنظم من قبل الجهاز نفسه للأسباب الموضحة في هذه الورقة.
#4#
رابعاً : يمكن تقسيم أهم الأنشطة المتعلقة بصناعة تحلية مياه البحر وعلاقتها بمنظم الكهرباء إلى أربعة أنشطة، يُضاف إليها عنصر خامس خاص بالمعايير وفقاً للجدول رقم (3).
خامساً : من المبادئ المهمة المطلوب مراعاتها أثناء العملية التشريعية مبدأ استقرار الأنظمة، ولئن كان مسوغا تعديل وإلغاء بعض الأنظمة القديمة نظرا لاختلاف الأوضاع والأسباب التي رافقت وضع تلك الأنظمة، إلا أنه من غير المسوغ والمقبول تعديل نظام حديث ينظم بعض الأنشطة الاقتصادية دون قيام أسباب جوهرية لهذا التعديل لم تكن موجودة أثناء صياغة ذلك النظام، وما يتبع ذلك من تغيير غير مبرر للمراكز القانونية المستقرة.
سادساً: حال اعتماد منظم المياه بجانب منظم صناعة الكهرباء وتحلية المياه، فمن الضروري تضمين الإطار القانوني تعريفا واضحا لمصطلح تحلية المياه بما يحقق فصل الاختصاصات بين المنظمين، بحيث يقتصر دور منظم الكهرباء على تنظيم الأنشطة المتعلقة بتحلية مياه البحر فقط دون الآبار.
وفي غياب هذا التحديد فإن ذلك سوف يُفضي إلى خضوع تحلية مياه الآبار إلى منظمين اثنين حيث تخضع تراخيص حفر الآبار واستخراج المياه منها لمنظم المياه ثم تخضع عملية التحلية لمنظم الكهرباء ثم ينتهي الأمر إلى خضوع عملية توزيع هذه المياه للمنظم الأول، وهذا لاشك يؤدي إلى اضطراب وعبثية تتنافى مع الممارسة الصحيحة للصياغة القانونية.
سابعاً : اعتماد النموذج الأمثل في إنشاء المشتري الرئيس ككيان واحد يتولى طرح جميع مشاريع الكهرباء وتحلية المياه في المملكة ومن ثم شراء جميع مخرجات تلك المشاريع.
إلا أنه وفي حال تعذر اعتماد هذا الخيار الأمثل لبعض الأسباب التنظيمية الخاصة أو لأي أسباب أخرى، فإنه من المهم العمل بشكل عاجل على إنشاء مشترٍ رئيس لمشاريع تحلية المياه وفقاً للخيار الأول على أن يتم ضم ذلك مستقبلاً إلى المشترى الرئيس الخاص بمشاريع الكهرباء بحيث يندمجان في كيان واحد حسب الشكل (2).
ثامناً: الأدوات النظامية المقترحة:
أ- مشروع نظام المياه الشامل:
1. الإشارة في نظام المياه إلى اختصاص هيئة تنظيم الكهرباء والإنتاج المزدوج بتنظيم جميع الأنشطة المتصلة بصناعة تحلية مياه البحر (إنتاج مزدوج ــ إنتاج أحادي الغرض ــ نقل المياه المحلاة ــ طرح مشاريع التحلية والمتاجرة في مخرجاتها) وفقاً لأحكام نظام الكهرباء, واستثنائها من أحكام نظام المياه.
2. الإشارة إلى اختصاص وزارة المياه والكهرباء باعتماد خطة المياه للمملكة.
3. اختصاص الوزارة أو منظم المياه (حال إنشائه) باعتماد معايير جودة المياه عموماً (شاملة لمياه التحلية).
4. عدم الخوض في أي تفصيل آخر عدا هذه المسائل الجوهرية المشار إليها أعلاه.
ب- نظام الكهرباء:
تعديل نظام الكهرباء بحيث:
1. يُضاف إليه كل ما يتعلق بموضوع تحلية مياه البحر.
2. تعديل اسمه ليصبح المسمى الجديد ''نظام الكهرباء وتحلية المياه''.
3. تعديل بعض أحكام النظام لتلافي السلبيات التي سبق الإشارة إليها في المبحث الأول.
4. استكمال إصدار المعايير والكودات اللازمة لصناعة التحلية بعد ذلك.
تاسعاً: من المهم بمكان استطلاع آراء جميع المعنيين بأي نظام أو تنظيم يجري العمل على إصداره مستقبلاً لهذه الصناعة أو لغيرها، فمن الضروري إشراك من يمثل القطاع الخاص في مراجعة النظام وإبداء أي مقترحات بشأنه.
وفي هذا السياق يقترح قيام الجهات التشريعية أو التنظيمية المسؤولة عن إعداد النظام بنشر المسودة شبه النهائية للنظام في موقعها الرسمي على الشبكة العنكبوتية من أجل إبداء أي ملاحظات عليها خلال مدة تتراوح بين و 90 يوماً، فهذا من شأنه ترسيخ مبدأ الشفافية والمشاركة، مما يثري النظام ويُتلافى معه كثير من الثغرات، ويمنحه مزيداً من القبول والتفاعل أثناء التطبيق.
خــاتــمــة
وفي الختام، آمل أن أكون قد وفقت في تقديم رؤية واضحة لما يمكن أن يكون عليه الإطار القانوني المستقبلي لصناعة تحلية المياه في المملكة العربية السعودية، بحيث يكون متماشياً مع التجارب الإقليمية والعالمية الصحيحة ومستكملاً للقرارات والأنظمة المتعلقة بهذا الموضوع في ضوء الاستراتيجيات والرؤى والخطط المعتمدة سلفاً من قبل الجهات ذات الاختصاص، ويعكس تطلعات قيادة هذا البلد في دعم وتشجيع هذه الصناعة، مع الإشارة إلى بعض التوصيات والملاحظات التي يمكن أن تقدم خريطة طريق وتساعد صانع القرار على تكوين صورة متكاملة عن هذه الصناعة.
