نزاهة القضاء خط أحمر لا يمكن المجاملة فيها أو السكوت عليها, كما أن معالجة أي قضية تدخل تحت عنوان الفساد في أي جهاز كان هي محل شفافية ووضوح, وهي كذلك في أجهزة السلطة القضائية. وتناولت وسائل الإعلام خبرا في غاية الإزعاج للرأي العام, وهو تلقي قاض في إحدى المحاكم في المدينة المنورة مجموعة مبالغ مالية تم إيداعها في حسابه الشخصي لدى أحد فروع البنوك المحلية بلغ إجماليها 200 مليون ريال، ووجود عدة أشخاص متهمين معه يتم التحقيق معهم من قبل المجلس الأعلى للقضاء، بعد أن قامت الجهات المختصة بجمع وضبط كل الأدلة والشركاء في قضية نأمل أن تكون الأولى والأخيرة, خصوصا بهذا الحجم الذي يؤكد أن انعدام الرقابة والمتابعة لأعمال القضاة لم يعد له ما يبرره،، حتى إن حاولنا خلق تلك المبررات وفرضها بما يخالف قواعد علم وفن الإدارة الحديثة.
إن أول درس نستفيده من هذه القضية, التي لا تزال تحت الإجراء التحقيقي للقاضي وشركاه من موظفي المحكمة وبعض الأجهزة الحكومية, هو أنه يجب الإسراع في تنفيذ مشروع إصلاح القضاء, الذي وضع أهدافه خادم الحرمين الشريفين الذي جعل العدالة نصب عينيه, مقتفيا بذلك النهج النبوي الشريف وسيرة الخلفاء الراشدين في جعل القضاء والقضاة مثالا للنزاهة المطلقة والبعد عن أي مصلحة لهم في منازعات المتقاضين والخصوم عموما, بل جميع ما يمكن أن يكون محلا لشبهة المال الحرام والتكسب غير المشروع.
أما الدرس الثاني فهو أن حجج الاستحكام وصكوك التملك للعقار عن طريق الادعاء أمام القضاء تحت أي اسم كان لا تزال غير خاضعة للتنظيم القانوني الدقيق, وهي ميدان واسع لمن تمكن من معرفة إجراءات استخراج تلك الحجج أو الصكوك, وهي باب للاستيلاء غير المشروع على أراضي الدولة أو الغير متى وجد من يقدم المساعدة من داخل المحكمة سواء كان قاضيا أو موظفا, ومن دون شك فإن جميع هذه الحالات هي من صور الفساد الوظيفي، وأخطر ما فيه أنه يتم داخل المحكمة وتحت رعاية من يفترض فيه الوقوف ضد الاستيلاء على أراضي الدولة أو الغير، ومن ثم فإن تنظيم إجراءات استخراج حجج الاستحكام أصبحت ضرورة لا تحتمل التأخير، وهي بالفعل تدرس حاليا في مجلس الشورى وأعيدت إلى إحدى لجان المجلس لضعف شديد في صياغة مشروع نظامها.
وثالثا فإن تشكيل دوائر المحكمة من قاض واحد ينفرد تماما بما يتخذه من إجراءات وما يصدره من أحكام في شكل حجج استحكام أو صكوك أو قرارات قضائية لم يعد ملائما, بل أصبح نافذة تتسع كل يوم لتقذف بمشكلات ضخمة أمام وزارة العدل والمجلس الأعلى للقضاء وتحرج القائمين على مشروع إصلاح القضاء الذي ينتظره المجتمع ليواكب كمّ ونوع التطور في سائر أجهزة الدولة.
إن قضية بهذا الحجم تهز الثقة حتى إن بدا أن الرأي العام غير مشارك في التعليق على تلك الثغرات التي تؤدي إلى مثل هذه النتائج الكارثية بكل المقاييس الشرعية والقانونية والأخلاقية, كما أن الشعور النفسي لدى المتقاضين بوجود مثل هذه القضية يخلق الشك الدائم بوجود صور مماثلة غير مرئية، بل قد يتم تبرير جميع حالات القصور الإداري في الأداء أو الرقابة تحت هذا العنوان الذي يجب أن نستبعده تماما من مخيلتنا, لأنه إن صلح تبريرا لحالة معينة فإنه لا يصدق على كل تلك المظاهر غير المألوفة في بعض المحاكم, التي يقف خلفها الدافع الشخصي أو الوساطة والمحسوبية وهي أقل خطرا, لكنها أوسع نطاقا وأكثر ضررا بمجريات العدالة, وقد تقف الجهة المسؤولة على مفترق طرق بين إخضاع القضاة لنظام محاسبة صارم أو الاتكاء على حصانة القاضي التي يبررها حسن الاختيار المسبق, وهي آلية لم تجد نفعا حتى يمكن الوثوق بها مستقبلا.
