مشكلة التعدي على الأراضي الحكومية مشكلة قديمة ومتجددة ولم تجد نفعا في إيقافها القرارات والتعاميم التي تعالج المشكلة دون تناولها من جذورها وبحث أسبابها.
ورغم جهود وقف التعديات إلا أن كم التعديات أكثر من جهود الإزالة والهدم وإعادة الوضع إلى ما كان عليه، ولأن الحل يكمن في إيجاد قانون أو نظام أو لائحة شاملة فإن محاولة صياغة ذلك القانون أو اللائحة لم تصل إلى غايتها ربما لأن الجانب الوقائي لم يكن واضحا في الصياغة وكان الجانب التصحيحي أو العقابي هو الوسيلة لوقف هذه الظاهرة التي أصبحت محل اهتمام وعناية الجهات المسؤولة التي قدمت رؤيتها، ما جعل هذه المشكلة تدرج ضمن جدول أعمال مجلس الشورى لبحثها وفق أصول تشريعية، مع الاستفادة من آراء الأعضاء في المجلس والخبراء الذين يمكن الاستعانة بهم.
إن أول ما بدأ به مجلس الشورى في معالجة هذه المشكلة هو حث جميع الجهات المعنية على الإسراع في تنفيذ الأوامر السامية المتعلقة بالمنح. وثانيا، الطلب من الجهة المختصة ـــ وهي وزارة الشؤون البلدية والقروية ـــ إعداد نظام لتوزيع الأراضي الحكومية يأخذ في عين الاعتبار الحاجة الملحة لمن لا يملكون سكنا من المواطنين، وقد تم بالفعل إعداد لائحة مراقبة الأراضي الحكومية وإزالة التعديات ونظر فيها مجلس الشورى، إلا أنها لم تكن ترقى إلى المستوى المطلوب، حيث تم سحب مشروع مراقبة الأراضي الحكومية من الموضوعات المدرجة للمناقشة وإعادته إلى اللجنة المختصة لدراسته وإخضاعه لمزيد من البحث والتداول.
إن التملك بوضع اليد هو نوع من فرض الأمر الواقع، على الرغم من وضوح موقف النظام من ذلك، وخصوصا بعد أن صدرت التعليمات فيما يتعلق بحجج الاستحكام وإيقافها حتى تتم إعادة ترتيب الوضع بكامله، وهي في الواقع معالجة مؤقتة لأنها تمنع التعديات وتجردها من قيمتها الشرعية والنظامية، حيث كان التحايل إحدى الوسائل لاستخراج بعض حجج الاستحكام، بل إن الممارسة تطورت وأصبح هناك خبراء في القفز فوق التعليمات، ما أدى إلى إيقافها بصورة نهائية حتى يعاد التنظيم بما يخدم المصلحة ويحقق التوازن بين حق الدولة في حفظ الأراضي وتوزيعها وحق المواطن في التملك، خصوصا من لا يستطيعون الحصول على أرض لبناء سكن خاص.
وهناك حاجة إلى وجود عين ترصد الاحتياج وتوزع للمحتاجين بقدر احتياجهم مع منعهم من التصرف في الأرض بالبيع، فهي منحة سكنية تمنح لغرض معين وهو بناء مسكن للأسرة وليست وسيلة للإثراء المادي كما يراها البعض.
ولعل مشروع النظام الذي سيتم إعداده بعد دراسة متأنية ومناقشة مستفيضة من مجلس الشورى أن يضع التعريفات القانونية حتى يبدد المجال الواسع الذي يتم في ظله التصرف بما يتنافى مع الغرض الأساس من المنح، فليس هناك شك في أن الجهات الحكومية تحتاج أيضا إلى الأراضي لإقامة المرافق العامة عليها وقد كانت ولا تزال مشكلة إيجاد أراضي لبناء المدارس عليها في مدينة جدة عائقا في البدء في بناء بعض تلك المدارس.
وإذا تصورنا العلاقة بين الأرض والتنمية بدت لنا أهمية التنظيم وعدم ترك الحبل على الغارب حتى لبعض الموظفين الذين ينتفعون في ظل المرونة العالية التي هي في الواقع فوضى ولا يمكن تفسيرها سوى بهذا المعنى، ولذلك كان الحل هو الإيقاف الفوري لأي تصرفات نافذة ووقف حجج الاستحكام، لأنها تؤدي إلى نتائج ضارة بالمصلحة العامة وتقضم من الأراضي لصالح أفراد تمرسوا على تجاوز كل المعوقات وفهم كل جديد والالتفاف على أية حواجز تنظيمية. نأمل من مشروع النظام الجديد أن يقلص نطاق هذه الظاهرة ويحد من تأثيرها السلبي في التنمية بعد أن ثبت أن سد هذه الثغرة القانونية أكثر من مجرد ضرورة تنظيمية، بل هو عنصر رئيس للتوزيع العادل للأراضي الحكومية واستبقاء ما تحتاج إليه المرافق العامة مستقبلا.
