تحتضن العاصمة الرياض خلال هذه الأيام الملتقى العربي الثاني للمسؤولية الاجتماعية، وأهمية هذا الملتقى تنبع من طرحه للقضية على المستوى العربي، وأيضاً لما حظي به من مساندة كريمة من حكومة خادم الحرمين الشريفين ممثلة في رعاية صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز، أمير منطقة الرياض وصاحب السمو الملكي الأمير سطام بن عبد العزيز، أمير منطقة الرياض بالإنابة، وثالثاً لريادة فكرته وقضيته، ورابعاً لحجم المشاركة في فعالياته ليس على مستوى الكم بل أيضا على مستوى الكيف، وأخيراً لما أعلن عن محاوره ومضامين الأوراق والبحوث المقدمة خلال فعالياته. وما يهمنا هنا هو ما يمكن أن يسهم به هذا الملتقى في تنامٍ لثقافة العمل الاجتماعي في العالم العربي، وتحول "المسؤولية الاجتماعية "من اجتهادات شخصية إلى مفهوم ديني ووطني وأخلاقي. فالملتقى مطالب بإلقاء الضوء على تجارب ثرية اتسمت بالمنهجية العلمية في التخطيط والتنفيذ، وأيضا طرح أفكارا رائدة يمكن تطبيقها على أرض الواقع، ولا يخفى على الكثيرين أن "المسؤولية الاجتماعية" لا تعني فقط توجيه دعم مادي أو عيني لقطاع خيري أو لفئة من ذوي الاحتياجات الخاصة، إنها قضية أعم وأشمل. إن المسؤولية الاجتماعية للشركات ثقافة جديدة على المجتمع، ولا بد من تطوير السياسات والاستراتيجيات المرتبطة بها وفقا للنماذج العالمية وظروف مجتمعاتنا العربية والإسلامية. إضافة إلى أنه لا بد من تحفيز القطاع الخاص بتعزيز دوره في مجال المسؤولية الاجتماعية؛ لأنه ما زال دون مستوى الطموحات رغم إمكانياته الكبيرة. كما أن المسؤولية الاجتماعية أعمق من أن تكون تبرعات فقط، وتتطلب أن تأخذ الشركات بعين الاعتبار مدى تأثيرها استراتيجيا في جميع ذوي العلاقات؛ حيث إن لها علاقة مباشرة ببرامج التنمية المستدامة، وهي عبارة عن التزام متواصل من قبل الشركات من خلال دورها في النمو الاقتصادي مع تطوير حياة الأفراد وأسرهم، ومن ثم تطوير المجتمع ككل في ظل الأجواء العالمية.
ويرى المتخصصون أن للمسؤولية الاجتماعية منطلقا دينيا، يتمثل في أداء حق المجتمع من الزكاة والصدقات والتبرعات والأوقاف التزاما بتعاليم الدين الحنيف التي تخاطب في النفس الإنسانية فطرتها السخية، لتنتزع منها الشح حتى تجود طائعة بمالها وهي تنظر إلى مضاعفة ما تنفقه في وجوه الخير ثوابا وأجرا.
كما أن للمسؤولية الاجتماعية منطلقا وطنيا يتمثل في الحرص على المصلحة العامة والوفاء بشرف الانتماء لهذا الوطن، فالمصلحة العامة والانتماء يعنيان بالنسبة للشركات والمؤسسات والمصانع جودة الإنتاج، القدرة على المنافسة، وعدم الاحتكار أو الاستغلال، ومراعاة البعد الاجتماعي في أسعار الخدمات، وإتاحة الفرص لتوظيف المواطنين ومنهم ذوي الاحتياجات الخاصة. وفي اعتقادي أنه على الملتقى أن يتبنى آليات لكيفية الوفاء بالمسؤولية الاجتماعية من بعض مؤسسات القطاع الخاص، ومنها التوجه بأن تتصدى تلك المؤسسات لتنفيذ وإدارة مشروعات خيرية بنفسها، وهذا قد يمثل إضافة لمسيرة العمل الخيري والاجتماعي في العالم العربي.
فنحن أحوج ما يكون لتفعيل نهج الشراكة القائمة على الثقة والمصداقية تحقق المصلحة المشتركة بين مؤسسات القطاع الخاص والمؤسسات الاجتماعية وقد تكون الصورة المثلى لأداء المسؤولية الاجتماعية.
