الخميس, 22 أكتوبر 2026|10 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

من الثابت في كل الدراسات التاريخية أن أعداد اليهود في فلسطين قبل وعد بلفور، 1916 لم تكن تتجاوز بضعة ألوف، وأنهم لم يشكلوا في الديموغرافيا الكلية.. بين مسلمين ومسيحيين من العرب إلا رقما زهيدا، وإذا كانت بريطانيا ومعها الغرب قد تواطأوا على تفريغ بلدانهم من اليهود فتقاطروا على فلسطين وبما مهد لمؤامرة الاحتلال، حيث كان اليهود يشكلون لهم إزعاجا على مدى التاريخ، بلغ فيه حد الخلاص منهم تطرفا إرهابيا على يد هتلر في الهلوكوست النازي بإحراق ضحايا كثيرين منهم.. ذلك التواطؤ وما نجم عنه استخدمته الحركة الصهيونية آلية بارعة خبيثة لجلب يهود أوروبا والعالم إلى فلسطين من جانب ولابتزاز الغرب وتحميله جريرة ما حدث لهم، وبالتالي قسر الغرب على التمويل والحماية والدعم، الأمر الذي تواصل حتى قيام الدولة العبرية 1948 وإلى اليوم.

لم تكتفِ إسرائيل بابتلاع معظم أرض فلسطين، وإنما سطت على أراضي دول عربية أخرى عبر حروبها، وظلت تكرس توسعها في الاستيطان وإفراغ فلسطين من أهلها بالإبادة والتشريد، ولم تفلح كل وقائع مفاوضات السلام ومشاريعها وقراراتها الأممية في إرجاع الحقوق الفلسطينية من أرض ولاجئين ومياه وسواها منذ اتفاقيات الهدنة حتى الساعة.

ومع أن مقررات مدريد والأمم المتحدة واللجنة الدولية رسمت حدودا لدولتين مستقلتين (فلسطين وإسرائيل). بحيث تكون حدود الدولة الفلسطينية ما قبل الرابع من حزيران (يونيو) 1967 وعاصمتها القدس، إلا أن الأرض الفلسطينية ظلت تنسحب من تحت أقدام شعبها وتتقلص بالاستيطان الغاشم وحروب الإبادة الدورية حتى بلغ حد الهوس بالاستحواذ إلى الانعزال عبر بناء الجدار العنصري طوقا أمنيا على معظم ما احتلته إسرائيل من أراضي فلسطين التاريخية.

وأخذا في الاعتبار لمباحثات السلام التي ظل الحراك الدبلوماسي يدفع بها من القرار 442 وما بعد ثم كامب ديفيد وتنت وخارطة الطريق ومقررات اللجنة الرباعية وحتى مباحثات أبو مازن ونتنياهو الراهنة، فما زالت إسرائيل لا تفكر إطلاقا في أن تتخلى عن أي مستوطنة، بل ترفض تجميد الاستيطان ما أزهق روح المفاوضات المباشرة الحالية حتى قبل أن تبدأ.

أبعد من هذا.. خرج وزير خارجية إسرائيل ليبرمان خليفة المتطرف الصهيوني كاهانا وغيرهما كثير كثير ممن يعبر عن حقيقة الذهنية الصهيونية مقفلا دائرة العنصرية الصرفة الخالصة بمطالبته أن تكون الأرض مقابل السكان وليس السلام، أي أن يتم ترحيل (طرد) كل عرب الداخل الفلسطيني المحتل لأراضي الضفة والقطاع مقابل السماح لهذه المزق مما بقي من أراضي السلطة الفلسطينية كي تكون (دويلة) للفلسطينيين بلا جيش ولا سيادة!!

الجدار العنصري وإخلاء كل الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل في الغرب لتبقى الدولة الإسرائيلية الغاصبة لليهود فقط. إنه "الجيتو" (الحارة اليهودية) من جديد أمثولة تتنسخ في القرن الواحد والعشرين.. أي العنصرية مسورة على عرق مزعوم.. عرق شيء له من قبل الصهاينة أن يكون قومية أو أمة بالقوة والتزييف والمغالطة في استخدام مقلوب للدين بجانب مزاعم العلمانية والديمقراطية ما يعيد إلى الأذهان مفارقة صارخة من حيث الشكل والجوهر بالأمس القريب الذي لم يكن يجف حبره، حين صوتت الأمم المتحدة على أن الصهيونية ليست حركة عنصرية، وقد كانت كذلك في عرف العالم حتى لعبت السياسة الإسرائيلية لعبتها في الخلاص من ذلك بمساندة ومباركة من أمريكا ودول غربية أخرى.

أليس الجدار العنصري وأفكار ومخططات ليبرمان والعقلية الإسرائيلية برمتها تكريسا لعنصرية دولة لا قبل للعقل والعصر على هضمه حينما يتجاور هذا الموقف مع عالم تصرخ مواثيقه الأممية عن كل أشكال التميز والعنصرية ومع مزاعم إسرائيل نفسها بأنها واحة الديمقراطية في هذه المنطقة؟ وإيمانا بأن الحقوق لا تضيع ولا تهدر بالتقادم، وإن نداء الأرض أقوى من كل فتك مؤامرة إقامة هذه الدولة ومخططات ساستها، يقينا أن إسرائيل وقادتها والمتآمرين معها يدركون ذلك ويدركون أن كل هذا الشذوذ في المغالطات، وأن التاريخ مهما طال الزمن، يصحح مساره صوب الحقيقة التي لا تنجي منها مزاعم الديمقراطية والعلمانية ولا عرقية عبرانية مزعومة ولا التفاف الجدار العنصري حول كل ذلك، وإذا كانت طروادة وغيرها من المدن المسورة الحصينة في العالم القديم لم تنجها أسوارها من الدمار مع كونها لم تكن عنصرية، فليست إسرائيل بهذا الجدار وبهذا الشذوذ العنصري غير وجود يتنافر مع هذا العصر الذي يمعن بالانفتاح فيما هي تمعن بالانغلاق في هلوسة الخرافة التوارثية البائدة عكس مجرى التاريخ!!

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية