قصة واقعية أعرف، وقد يعرف غيري وقائعها، تتلخص تلك القصة في أن صديقاً ضعيف الأحوال تسلف مبلغ 30 ألف ريال منذ فترة طويلة من زميل له ليشتري به سيارة نقل، وكان ذلك المبلغ بداية فتح الرزق لذلك الرجل الضعيف، فلم يكن بين الاثنين أي مكاتبات، بل لمدة طويلة لم يطالب التاجر صديقه بأن يرد المبلغ، حيث كان في منطقة أخرى والمبلغ لم يعره التاجر أهمية لقوة الصداقة بين الاثنين، وبعد قرابة العقد أو العقدين من الزمن مرض المستدين وتذكر الحقوق التي عليه، فطلب من أبنائه أن يأتوا بكاتب عدل ليكتب بعض وصاياه، فلم يملي على الشيخ إلا وصية واحدة: هي أن نصف ثروته من تجارة السيارات لذلك الشخص الذي سلفه مبلغ 30 ألف ريال. وكما ذكرت لم يكن بين الاثنين أي شروط، ولكن هنالك شرطاً كبيراً لا يعلمه إلا الله - سبحانه وتعالى - والشخص المستدين، حيث نذر على نفسه منذ تسلم المبلغ أن يكون ذلك الرجل شريكاً له في تلك التجارة. وقد كان نصيب الأخير ملايين عدة لم يكن يتوقعها.
فمن هذه القصة يمكن أن نخرج بفوائد وحكم، أولها أنها تحكي درجة الوفاء والخوف من الله، فهذا الرجل قابل الإحسان بالإحسان، كما أنه احتفظ بعهد قطعه على نفسه، ولكن شغلته الحياة عن كتابته، فالنية الطيبة وطيب الدائن جعلت المدة الزمنية تطول ويتضاعف المبلغ أضعافاً كبيرة. وللمعلومية فقد عاش المدين بعد إعطائه حق الدائن مدة طويلة جداً وتضاعفت ثروته. والفائدة الثانية من تلك القصة وأمثالها، أنها تعد في وقتنا الحاضر من النوادر، فقد كان الموسرون بنوكاً (غير ربوية) مع أصدقائهم، فكثير منهم من يدعم وينمي مواهب وطاقات زملائه، فتاريخ العقيلات مليء بتلك الشواهد، فكم حاجة شبابنا في الوقت الحاضر لمن يدعمهم من أصحاب الأموال.. لا أقول بإقراضهم بل بتطوير مواهبهم، فبعض الشباب يحتاج إلى تطوير مهاراته اللغوية أو تأهيله ليجد فرصة في سوق العمل. أما الفائدة الثالثة والدرس المهم من تلك القصة ينبغي بل ويجب على الإنسان أن يصفي حساباته في تلك الدنيا ويعطي كل ذي حق حقه، فهذه والله سعادة ورفع رأس في الدنيا وفوز ونجاة في الآخرة. ومن المؤسف جداً أنه أصبح الكثيرون لا يبالون بخطورة الدين ولا يهمهم من أين كسب المال.
أما الفائدة الرابعة والأخيرة من تلك القصة: فهي أن هذه الأمة هي أمة الوفاء والأمانة، وليس كما يصورها أعداؤها بأنها بعيدة عن الإنسانية وبؤرة للإرهاب، بل أصبح من الشائع الآن أن وجود الأموال في استثمارات خارجية أصبح عرضةً للنصب والاحتيال، تحت تهم وادعاءات باطلة، وخير دليل على ذلك سقوط بعض البنوك الأمريكية (293 بنكاً منذ عام 2007م) وفقد الكثير من ثرواتهم المودعة، ولا ننسى أن موضوع تجميد الأموال (نوع من المصادرة) يعد من الأمور السهلة الاختراع والتأليف. ومن الطرائف في بعض الدول العربية أن يستلف الرجل من التاجر بعض الأرزاق إلى الحول، والرهن فقط شعرة من شارب المدين، فهذه وصية ينفذها هو أو أي من ورثته، بل هي دليل على الالتزام، ولكن لا تذهبوا بعيداً فليس كل شعرة فيها رصيد!!.
