أعلنت المجموعة العسكرية الحاكمة في ماينمار مواعيد الانتخابات العامة المقبلة، حيث هنالك آمال بأن ترتدي البلاد في السابع من شهر تشرين الثاني (يناير) المقبل لباساً من الاحتفالات بوجود صفوف طويلة من المواطنين أمام صناديق الانتخابات. وستكون تلك مناسبة للوفاء بعهد تم تقديمه منذ عقدين من الزمن، وتطلعات لبلد لم يمارس تمكيناً للديمقراطية منذ زمن بعيد. ولكن هل أن هذه الممارسة الديمقراطية الانتخابية، كما يصفها أعضاء مجموعة الحكم العسكري في هذا البلد، تمثل سلوكاً ديمقراطياً في عالم فيه عدد كبير من بلدان الحكم الديمقراطي؟
من المؤسف أن مسيرة ماينمار باتجاه مجموعة النظم الديمقراطية تبدأ بداية يشوبها الخطأ، حيث لا تزال سوكي، أمثولة التطلعات الديمقراطية في هذا الصراع من أجل الحرية، قابعة وراء قضبان سجنها. ولا يتوقع أن يتمكن الجناح المعارض للانتخابات من إحداث أي تغيير في الحصيلة العامة لها. وهناك حظر عام على الممارسة السياسية لعدد كبير من زعماء المعارضة.
إن مصدر العيب الأكثر وضوحاً في هذه الانتخابات هو أنه حتى قبل أن يقف المواطنون للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات في دوائر العاصمة، أو دوائر المناطق الأخرى من البلاد، فإن مصير 25 في المائة من المقاعد النيابية في المجلسين الأدنى، والأعلى، جرى اتخاذ القرارات بخصوصه سلفاً. وهناك توجه بأن يتم تمثيل القوات المسلحة في ماينمار بممثل واحد من كل أربعة في المجلسين المنتخبين. وقد حصلت سو، وحزبها في انتخابات عام 1990 على فوز كاسح. وبعدم وجود قوة معارضة متحدية ومستقطبة لأصوات الناخبين في الانتخابات المقبلة، فإن كفة منتسبي القوات المسلحة يتوقع أن تكون هي الراجحة على جميع الفئات السياسية الأخرى في هذا البلد الآسيوي المضطرب.
إن ساحة السباق ليست عادلة بالنسبة إلى الفئات السياسية المتنافسة في هذه الانتخابات العامة. وقد استقال رئيس الوزراء، الجنرال ثين سين، وعدد من كبار الضباط قبل عدة أشهر لتشكيل حزب اتحاد التضامن والديمقراطية المتوقع أن يتمتع بدعم حكومي على نطاق واسع، من حيث إنه ربما يكون الحزب الوحيد صاحب البنية المحلية القادرة على إحداث تناغم حزبي داخلي.
هناك قيود على بقية الأحزاب أبرزها تلك التكاليف المرتفعة التي يجب عليها أن تتحملها. وعلى كل متقدم للانتخابات أن يدفع نحو 500 دولار أمريكي لقبول ترشيحه. ولا يملك عدد كبير من الأحزاب المبالغ اللازمة للإنفاق على إيصال مرشحيها إلى مقاعد مجلسي البرلمان. وهناك قوانين تمنع رفع أي شعارات ضد الرموز الوطنية، كما أن هناك قوانين تفرض شيئاً من الحذر على المتنافسين على المقاعد البرلمانية.
أما الانتخابات الخاصة بالرئيس، فتتطلب وجود ثلاثة مرشحين منهم أحد كبار العسكريين، في حين يقرر اسمي المرشحين الآخرين الناجحون في انتخابات المجلسين. ويصبح الفائز رئيساً، والخاسران نائبين له. وقد ضمن الجيش لنفسه لغاية الآن واحداً من منصبي نائب الرئيس. وبوجود أصوات منتسبي القوات المسلحة، وأصوات اتحاد التضامن والديمقراطية، فإن من السهل توقع وصول أحد كبار ضباط الجيش إلى موقع الرئاسة.
يتولى رئيس البلاد في العادة تعيين الوزراء، وحكام الأقاليم، والولايات. ويتم اختيار الوزير الإقليمي الرئيس من قبل ممثلي الإقليم المعني بهذا الأمر. غير أن بإمكان الرئيس من الناحية الدستورية، والفعلية، تعيين أي رئيس إقليمي في البلاد. ويتطلب الدستور موافقة المجلس المحلي المنتخب للإقليم على الشخص الذي يتولى ترشيحه رئيس البلاد.
إن مجلس الدفاع القومي، والأمن كما حدده دستور البلاد، يعتبر كياناً متنفذاً، ويضم أغلبية مكونة من العسكريين. ويشمل ستة من أعضائه البالغ عددهم 11 عضواً رئيس هيئة أركان الجيش، ومن يرشحهم لذلك. ويمكن للرئيس، بالتعاون مع حزب التضامن والديمقراطية، إعلان حالة الطوارئ في البلاد، وتسليم مقاليد الحكم إلى رئيس أركان الجيش لكي يتولى حكم بلاده خلال فترة زمنية محددة.
تحدد المبادئ الرئيسة للدستور الجديد هدف تمكين خدمات الدفاع من إقحام أعضائها في القيادات السياسية داخل الدولة. ويعطي الدستور سلطات استثنائية للقائد العام للجيش، بينما يفرض عليه مساءلة أمام الجهات التشريعية. وله أن يعين وزراء الدفاع، والداخلية، وشؤون الحدود، وله كذلك أن يحكم في القضايا المتعلقة بتسيير أعمال القوات المسلحة. ويجعل هذا الأمر الجيش فوق القانون، وفوق بقية البلاد.
إن المسيرة الديمقراطية لهذا البلد تشوبها العيوب. غير أن النظام القائم يدرك أن الوضع الحالي لا يمكن أن يستمر. وأقل ما يمكن قوله إن البلاد الآن في حالة حراك بعد فترة من الجمود تحت الحكم المستبد منذ عدة قرون.
هناك عدد من الجهات المستفيدة التي تتطلع بشغف إلى تاريخ السابع من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، حيث فجر الانتخابات في ماينمار. وإن أكثر المهتمين بهذا الشأن بالطبع هم أبناء شعب هذا البلد الآسيوي. فهل ستؤدي الانتخابات إلى زيادة الحريات، وحق ممارسة الخيارات فيما يتعلق بالحياة الخاصة، والفكر السياسي، والنقاشات الفكرية؟ وهل ستلجأ الدولة إلى أسلوب الحوار الإيجابي مع الأعراق المتعددة لإعادة رسم الخارطة السياسية للبلاد في ظل هيكل حكم اتحادي يسمح فيه للأقليات بالعيش في ظل حكم زعمائها الذين يمسكون ببعض أعنّة السلطة؟
يتطلع المجتمع العالمي قدماً إلى الأسلوب الذي سيتبناه هذا البلد، حيث هناك التطلعات المحلية، وأجندته النووية، وتجارة المخدرات، والعلاقات الجيوسياسية، والسياسات الاقتصادية. فهل سوف تتبنى ماينمار معايير عالمية لحقوق الإنسان، وشفافية الاقتصاد، والانطلاق في التحول من بلد منعزل إلى بلد منفتح؟ قد يكون النموذج الصيني راسخاً جيداً في أذهان من يتولون زمام الأمور في العاصمة.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: OPINION ASIA
