الثلاثاء, 20 أكتوبر 2026|8 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

باتت منظمة التجارة العالمية أشبه ما تكون بجنازة في انتظار الدفن، فقد تم الاستخفاف بقوانينها منذ البداية، حيث لم تخضع الولايات المتحدة نفسها (وبعض الدول المتقدمة) لشروطها في عدم تقديم الدعم لقطاعها الزراعي، فضلا عن دعم صناعات أخرى.

بل إن التكتلات الإقليمية والاقتصادية الدولية تضاربت في قوانينها وتبادلات الدول فيما بينها مع الاشتراطات القانونية لمنظمة التجارة العالمية وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة وفقا لثقل التكتل والدول الداخلة فيه ودورها السياسي على الصعيد الدولي.

اليوم تجابه الولايات المتحدة معضلة كبرى مع الصين باعتبارها الدائن الكبير لها، فضلا عن أنها تجابه تصاعدا في الميزان التجاري يميل لصالح الصين شيئا فشيئا بفعل قدرة النفاذ للمنتجات الصناعية وإغرائها الجامع بين انخفاض السعر والجودة على نحو أكسبها ميزات تنافسية لدى المستهلك الأمريكي، ما شكل قلقا متزايدا عند أقطاب الصناعة في أمريكا ولدى الدوائر الاقتصادية الأمريكية، فضلا عن صناع القرار، حيث إن أمريكا في وضع أكبر دولة مدنية في العالم وتعاني عجزا وبطالة مرتفعين، فضلا عن أن الدولار ليس في أحسن أحواله فيما معدل النمو الاقتصادي في الصين مرتفع، فقد بدأت أمريكا في السير على طريق معاكس لقوانين منظمة التجارة العالمية تمثل في وضعها للصين مقابل خيارين إما أن ترفع من قيمة عملتها (اليوان) أو أن الولايات المتحدة سوف تقدم على حماية منتجاتها عبر فرض رسوم على المنتجات والصادرات الصناعية من مختلف السلع الصينية، ما يعني رفع تكلفتها السعرية في السوق الأمريكية ويبطل أو يحد من تدافع الإقبال عليها.

هذا النزاع وإن بلغ أروقة منظمة التجارة العالمية فإنه لا يتوقع له أن يتحرر من الاتجاه الذي تريد أمريكا أن تفرضه على الصين، الأمر الذي يؤدي إلى أن تقدم الصين هي الأخرى على اتخاذ إجراءات مماثلة تتصل بالعلاقة التبادلية الاقتصادية بين الدولتين، ما ينذر باشتعال حرب حماية اقتصادية قد تشجع دولا كثيرة تتحايل حاليا على أنظمة منظمة التجارة بالمضي مجاهرة في اتخاذ ما تراه يخدم مصالحها الاقتصادية.

هناك ما يحرج أمريكا في هذه المعركة، وهو كون الصين قد تتحفظ في شراء سندات الخزانة الأمريكية وربما تتمتع وهذا ما لا تحبذ أمريكا حدوثه، خصوصا وهي تعاني أزمة مالية اقتصادية عصفت بكثير من بنوكها ومؤسساتها وشركاتها وما زالت في وضع مريب بين تحسن اقتصادها وتعافيه من الأزمة وبين من يصر على أن الوضع ما زال ينذر بالخطر مما قد يدفع أمريكا إلى البحث عن أفق جديد لمعالجة هذه المعركة تكفل لها بقاء الصين عميل سندات وسوق وتحد في الوقت نفسه من تدفق سلع الصين المتقنة الصنع المنخفضة السعر إلى أسواقها.

هذا يعني أن ما يجري بين الصين وأمريكا من مناطحة اقتصادية لا تقيم اعتبارا لقوانين منظمة التجارة العالمية بل تعمل خارجها المنظمة بهذه الضربة الكبرى الجديدة، علاوة على ضربات أخرى تلقتها في مبادلات تجارية بين عديد من الدول والتكتلات.. هذا يعني أن قوانين منظمة التجارة العالمية باتت على الرف أو هي في الطريق إليه لتصبح نسيا منسيا، ما لم تحدث إعادة قراءة لها وصياغتها بما يتسق مع المستجدات والتجارب التي حدثت في نطاق التجارة العالمية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية