الثلاثاء, 20 أكتوبر 2026|8 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

مرت أربعة عقود من التنمية العمرانية، أسفرت عن تشييد مئات الآلاف من الوحدات السكنية، قصورا، فللا، وشققا في مختلف مناطق المملكة، كان حصاد التجربة من ناحية التكاليف والشكل الجمالي وكفاءة المباني ومساحات السكن مشوبا بقدر غير قليل من السلبيات.

فقد كان لحداثة العهد بالمبنى الحديث وقلة الخبرة في متطلباته بل وشبه انعدامها ضريبتها في كون كثيرين انساقوا بتقليدية صرفة إلى بناء بيوتهم على نحو ارتجالي، اتكالا حينا على نصيحة مهندس بحس تجاري يستنسخ له المخطط ذاته الذي أعطاه لمئات من الناس غيره، واعتمادا على مقاول لا عهد له بالمقاولات العمرانية إلا عندنا فتعلم على حسابنا وبالتالي قدم لنا مبنى مشوها لا يتسق مع الذائقة الوطنية وخلفيتنا التراثية، علاوة على رداءة التنفيذ وباهظ التكاليف.

على أن هناك فئات منا استفادت من هذه الأخطاء والسلبيات فتجاوزتها لكنها وقعت في سلبيات وأخطاء من نوع آخر، فهي وإن كانت انتهت إلى تشييد منزل أنيق جميل بمواد وتجهيزات عالية الجودة إلا أنها اكتشفت بعد حين أن الركض وراء المظهر والجمال المبالغ فيهما، والرغبة في أن يكون المنزل واسع المساحات متعدد الغرف والمجالس والملاحق اكتشف أنه في الواقع قام ببناء عدة بيوت في بيت واحد ليقضي أيامه لاهثا في الصيانة والنظافة ودفع فواتير الماء والكهرباء وأدوات النظافة ومعداتها والارتباط القسري بعمالة منزلية تستنزف دخله في مرتباتها ونفقات المعيشة والسكن، فضلا عن مبالغ التأشيرات والاستقدام والإقامة والعلاج على الحساب.

هذا التفاوت بين الفاخر والمشوه، بين التكاليف العالية والمهدر في سوء التنفيذ انعكس على المظهر الهجين لشوارع مدننا وأحيائها ففقدت هويتها وشخصيتها وباتت متضاربة متنافرة لا يجمعها نمط محدد لا من حيث الحجم ولا من حيث الواجهات ولا المساحات واللون، ناهيك عن عوامل الأمن والسلامة.

هذا الوضع الراهن، ليس بالإمكان ولا من المعقول والمنطق الحديث عن التخلص منه، وإنما قد يكون بالإمكان التفكير في تسوية معقولة، على الأقل، لإيجاد طريقة ''ما'' يتم من خلالها تعديل الواجهات والأسوار لكل حي على حدة، غير أن المهم والأهم هو أن نستفيد من هذه التجربة العمرانية الجديدة ونعيد صياغة تنميتنا الإنشائية والعمرانية، حيث نتخلص من الترهل الكبير في أحجام مبانينا وما تستهلكه من مساحات الأراضي التي تأتي على حساب الأجيال القادمة في تصاعد أسعار الأراضي وعلى حساب مدننا وقرانا نفسها التي تعمل هذه الترهلات المساحية على تضخم حجمها وتمددها بالطول والعرض على نحو يفاقم تكاليف البنية التحتية وربما يحد من توافرها فضلا عن الصيانة والنظافة وعوامل الأمن والسلامة وبالتأكيد المظهر الجمالي والهوية المعمارية والإنشائية لها.إن القضية بكل تأكيد معقدة، وهي تحتاج إلى تضافر جهود وزارة البلدية وأماناتها مع الهيئة العامة للإسكان لوضع مخططات سكنية لا تستنزف الأرض ونماذج للمسكن الميسر يلبي الاحتياج من الناحيتين العملية والجمالية، وهو ما يعني فرض شروط على المطورين العقاريين من ناحية وإخضاع المكاتب الهندسية وشركات المقاولات والإعمار ''لكود بناء'' يتم تحديده كقاسم مشترك للوحدات السكنية لا يتم تجاوزه ولا الترخيص للبناء من دونه.

الأكيد أن هذه المسألة تشتبك مع ثقافة المجتمع وميوله وهي بطبيعتها ميول تتنازعها عوامل الحفاظ والتقليد من جانب والرغبة في الحداثة من جانب آخر، خصوصا أن المنزل في النهاية شأن ذاتي يرتبط بحق الإنسان في تشييد ما يريده من منزل خاص به، وهو حق لا سبيل لنكرانه ولا حتى تجاوزه، غير أن قدرا من التوعية وتقديم النموذج الجذاب الذي يتناغم مع إحساس الآخرين بذواتهم يمكن له أن يسهم إلى حد كبير في تغيير ثقافة المعمار لدينا ويأخذنا في طريق تحقيق الهوية لأحيائنا ومدننا وشوارعنا من ناحية ويتيح فرصة سد العجز في إسكان وطني يتطلب على مدى السنوات المقبلة إنشاء أكثر من ثلاثة ملايين وحدة سكنية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية