وضعت الأزمة الاقتصادية العالمية (الغربية بالأساس!!) - أمريكا وأوروبا - أمام جدار أملس أسود عابس في ظل تورط عسكري في العراق وأفغانستان وباكستان تدمي له أمريكا ومعها دول الحلف الأطلسي، ما أحرجها أمام العالم وأمام شعوبها التي لم تفتأ تحتج وتستنكر هذا التورط معبرة عن غضبها في الشوارع والإعلام.
وما من شك أن هذه الأزمة أربكت الغرب في البحث عن مخرج منها فأمريكا ترى الاتفاق وضخ الأموال هو الطريق وأوروبا ترى شد الأحزمة والتقشف. غير أن لعاب الغرب سال في الوقت نفسه على أرصدة ومدخرات دول الخليج العربية وصناديقها السيادية وأسواقها أيضا كمنقذ من هذا التأزم الاقتصادي.
تاريخياً دول الخليج العربية حكومات وشعوباً أصدقاء للغرب، حتى في ظل احتدام الحرب الباردة أيام الكتلة الشرقية فقد كان الخليج غربي الهوى والميول في نمط اقتصاده وفي نمط استهلاكه إلى حد كبير، إلا أن الغرب رغم هذه الصداقة المديدة العتيدة ظل في علاقاته الاستثمارية والتقنية والعلمية مكتفياً بما يبقي له الباب مفتوحاً كي يصدر إلينا سلعه وبضائعه، ويفيد من نفطنا ومن تجارته الراجحة الكفة دوما لصالحه.
اليوم تبدي أوروبا وأمريكا تلهفاً واضحاً على مباحثات تجارية واقتصادية مع دول الخليج العربية منفردة أو في منظومة دول مجلس التعاون، وهو تلهف لا يبرح هواجسه السابقة في أن يكون مال الخليج وسوقه القصد والغاية، وطبعا كما يقال، ليس اليوم كالبارحة، فبكل تأكيد لا تزال دول الخليج تكن صداقة للغرب من باب المصلحة أو من باب العلاقة التاريخية بكل خلفياتها، إنما دول الخليج اليوم شبت كثيرا عن الطوق وحققت تنمية مشهودة تمتلك قوى بشرية وبنيات تحتية تؤهلها لأن ترتقي بتنميتها من حالة الاستهلاك والاستقبال للمنتج إلى أن تصبح هي شريكا عالمياً في إنتاج التقدم ليس في نطاق ثروتها الطبيعية والنفطية أو الغاز بالذات، وإنما في نطاقات تتطلع إليها وظلت لسنوات تطرحها على طاولات المؤتمرات واللقاءات في لجانها الدولية المشتركة غير أنها كانت تحصد وعوداً وتسويقات فحسب إلا أن دخول بعض دول الشرق كالصين حرك نوعاً ما توجهاً متحفظاً في الاستثمار داخل دول الخليج صناعياً وتقنياً وعلمياً، لكنه تحرك بقي لا يشكل (مقارنة بطول أمد العلاقة) وزناً له ثقله المعتبر. لعاب الغرب الذي سال على أموال الخليج وأسواقه يحتفظ لهذه الأموال برغبة عارمة لاستثمارها في تعبئة موارده الاقتصادية داخل بلدانه، ويحتفظ للأسواق بالرغبة في القدوم إليها مقاولاً وتاجراً وليس مستثمراً ينقل التقنية ويوطنها أو يعمل على التأهيل على النحو الذي يؤديه لقواه الوطنية. وإذا كان منطق السياسة يقول إن المصالح هي الدائمة فدول الخليج العربية اليوم بحاجة إلى أن تعبر عن مصالحها، لا ابتزازاً وإنما استجابة للظروف الموضوعية التي تفترض أن يكون التبادل في مستوى المنفعة موازياً ومناظراً للاحتياج، فمن يطلب الأموال والأسواق عليه بالمقابل أن يقدم خميرة التقدم وأدواته ومناهجه، ولدى الغرب قرنان من التقدم معظمهما بالنسبة للغرب استعمار لبلدان العالم الثالث ومنها العالم العربي وبعض دول الخليج تمتع فيها الغرب بالثروات المادية والبشرية ولم يترك خلفه إلا التخلف والنزاعات والحروب وهو اليوم مطالب بأن يتفهم أن الذاكرة تحتفظ بهذه الخشية وتحتفظ في الوقت نفسه بالقدرة على النسيان إذا ما برهن الغرب أنه ليس ذاك المسعور وراء المال والسوق، وإنما الباحث عن شراكة إنسانية يقدم فيها ما يطلبه الخليج من احتياجات لصناعة تنمية إنتاجية مستدامة تؤمن له مستقبلا في حياة حرة كريمة في ظل شبح الخوف من تبعات نضوب النفط أو نضوب قيمته الاقتصادية، وحتماً موقف دول الخليج في مباحثاتها مع الغرب وتحديدها بوضوح وصرامة احتياجاتها وشروط العلاقة هو الذي سيجعل أوروبا وأمريكا تختط طريقاً غير الذي كانت منساقة فيه.. إنها اللحظة التي يستطيع بها أهل الخليج كتابة التاريخ الذي يتطلعون إليه.. فهل ستسفر الأيام عما يعزز هذا الحلم؟!
