تتجه الأنظار غدا الأحد لتركيا، حيث الاستفتاء الشعبي على تعديل بعض مواد الدستور، حيث تجد تركيا نفسها من جديد عند مفترق طرق وغدا يصادف الذكرى الـ30 للانقلاب العسكري، الذي وقع في 12 أيلول (سبتمبر) 1980م ونتج عنه دستور 1982م.
الناخب التركي المعروف بمزاجيتة وتاريخه في معاقبة الأحزاب التي تعاكس طموحاته، ولا تحقق تطلعاته سيكون بيده وحده تغيير التاريخ السياسي لحزب العدالة والتنمية أو العكس، كما فعل في انتخابات 1950 تشرين الأول (أكتوبر) 1965م وتشرين الثاني (نوفمبر) 1983م وتشرين الثاني (نوفمبر) 2002م لصالح حزب العدالة والتنمية، ورغم أن نتائج الاستطلاعات ترجح الفوز بـ(نعم) بنسبة ستتجاوز قليلا حاجز الـ50 في المائة إلا أن انتصار (لا) سيعني أن مستقبل رئيس الوزراء (رجب الطيب أردوغان)، ومستقبل حزب العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة عام 2011م، بل ومستقبل تركيا سيكون مجهولا.
وقبل الحديث عن انعكاسات نتائج الاستفتاء على الوضع السياسي الداخلي التركي وانعكاس النتائج على علاقات تركيا الإقليمية، خاصة مع الدول العربية سيتم استعراض التاريخ السياسي التركي، حيث أعلنت الجمهورية التركية الحديثة في 23 تشرين الأول (أكتوبر) 1923م بزعامة مصطفى كمال على ستة مبادئ، وهي القومية التركية (أمة واحدة متميزة)، والجمهورية والنزعة الشعبية نظام الحزب الواحد (حزب الشعب الجمهوري) وعلمانية الدولة وتدخل الدولة والثورية (العلمية والتطور) وكانت أبرز سماتها القطيعة الكاملة مع الماضي الديني والاجتماعي والإقليمي، فتم فصل الدين عن الدولة، وألغيت الخلافة، واعتمد الأبجدية اللاتينية للغة التركية، وأزيلت المادة التي تشير إلى أن الإسلام هو دين الدولة، وفي 21 تموز (يوليو) 1934م دعا المواطنين الأتراك إلى تسمية أنفسهم من جديد، وقد سمي مصطفى كمال باشا بأتاتورك (أب الأتراك)، وتم قصر التسمية عليه دون غيره بناء على تصويت المجلس الوطني التركي ثم أقر العلمانية بالدستور في 5 فبراير 1937م وألغى المحاكم الشرعية، واعتمد القانون المدني الذي استوحيت مبادئه من القانون السويسري.
توفي أتاتورك في العاشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1938م ليخلفه عصمت اينونو في رئاسة الجمهورية، واستمر الحزب الواحد حتى عام 1945م، حيث تم إقرار نظام التعددية الحزبية، وبعد فوز الحزب الديمقراطي بأغلبية كاسحة في انتخابات 14 أيار (مايو) 1950م تولى عدنان مندريس رئاسة الوزراء بعد أن أخرج حزب الشعب الجمهوري من السلطة فأعاد الاعتبار للدين، وأعاد الأذان باللغة العربية، ودعم إنشاء آلاف المساجد الجديدة، وأعاد حلقات تحفيظ القرآن، وسمح بالحج ليفوز في انتخابات 22 أيار (مايو) 1955م للمرة الثانية، ولكن نتيجة لسياساته الإسلامية المتصاعدة ومنها إدخاله الدين كمادة اختيارية ولتكراره عبارات إن (الدين غذاء روحي للمجتمع)، و(إن المرحلة الكمالية انتهت بتأسيس الجمهورية)، قام عدد من صغار الضباط من الجيش التركي بقيادة رائد - وليس رئيس الأركان - بإزاحته من السلطة عبر انقلاب عسكري في 27 أيار (مايو) 1960م، ومن ثم إعدامه في 17 أيلول (سبتمبر) 1960م، وفي 9 تموز (يوليو) 1961م تمت المصادقة على دستور 27 أيار (مايو) الانقلابي، وفي 15 تشرين الأول (أكتوبر)1961م جرت أول انتخابات عامة ليفوز فيها حزب العدالة بقيادة سليمان ديميريل، وفي 19 ديسمبر 1962م تم تشكيل مجلس الأمن القومي، وفي 10 تشرين الأول (أكتوبر) 1965م تجري انتخابات يفوز فيها حزب العدالة، وليشكل الحكومة للمرة الأولى في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 1965م وفي 12 تشرين الأول (أكتوبر) 1969م تجري الانتخابات العامة، وليفوز فيها ديميريل وليشكل الحكومة في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1969م.
وفي 12 آذار (مارس) 1971م يجبر الجيش ديميريل على الاستقالة، ولتجري انتخابات في 7 أيار (مايو) 1972م يفوز فيها وفي 26 كانون الثاني (يناير) 1974م يشكل بولند أجاويد الحكومة مع زعيم حزب الخلاص الوطني (نجم الدين أربكان)، وليتخذا القرار بالتدخل العسكري في قبرص في 20 تموز (يوليو) 1974 م. وفي 18 أيلول (سبتمبر) 1974م تضطر حكومة أجاويد لتقديم استقالتها ليخلفه ديميريل وفي 7 حزيران (يونيو) 1977م تجري انتخابات ويفوز فيها ديميريل ثم يسقط بسبب الفساد، وفي 17 كانون الثاني (يناير) 1978م يشكل أجاويد الحكومة وسط اشتداد إحداث العنف وليستقيل في 16 تشرين الأول (أكتوبر) 1979م ليعود ديميريل للحكومة في 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 1979م.
انقلاب 12 أيلول (سبتمبر) 1982م
في صبيحة 12 أيلول (سبتمبر) 1980م حدث الانقلاب العسكري (الثالث) بقيادة رئيس الأركان (كنعان افرين)، وقد حاول واضعوا دستور 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 1982م تقوية منصب الرئاسة على حساب السلطة المنتخبة (رئيس الوزراء )، كما حجموا من استقلال القضاء مع العلم أن واضعي الدستور تحكموا في التعليم والإعلام واللافت أنه وبعد أن رأوا ملامح تفكك المجتمع التركي من ناحية القيم الروحية والأخلاقية لم يجدوا أمامهم إلا الدين وسيلة لاسترجاع تماسك البناء القيمي في المجتمع التركي فجرى التركيز على دور الدين في الحياة الشخصية والعامة، فتم إعادة تدريس الدين كمادة إجبارية فاضطروا لإعادة تقديم الأتاتوركية بشكل جديد به قدر كبير من التصالح مع الدين يقوم على أنه ليس هناك تناقض أن يكون المواطن التركي علمانيا يفخر بانتمائه للأمة التركية، ويؤمن بالجمهورية، وبين أن يكون مسلما صالحا في الوقت نفسه.
في انتخابات 6 تشرين الثاني (نوفمبر) 1983م فاز تورغوت أوزال برئاسة الوزراء، وليستمر حتى 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 1989م، حيث انتخب رئيسا للجمهورية التركية، وليخلفه في رئاسة الوزراء (اكبولات) فيلماز، وفي 20 تشرين الأول (أكتوبر) 1991م يشكل سليمان ديميريل حكومته السابعة، وفي 17 نيسان (أبريل) 1993م، يتوفى الرئيس أوزال، ويستمر ديميريل رئيسا للوزراء حتى 16 أيار (مايو) 1993م، حيث أصبح ديميريل رئيسا للجمهورية لتخلفه تشلير في زعامة الحزب ولتشكل الحكومة في 22 حزيران (يونيو) 1993م، ولتستمر حتى 6 آذار (مارس) 1996م حيث شكل يلماز الحكومة، ولكنه أرغم على الاستقالة في 28 حزيران (يونيو) 1996م بسبب عدم قدرة حزبه على المحافظة على الأغلبية البرلمانية، وفي 25 ديسمبر 1995م تجري الانتخابات المبكرة ليفوز فيها حزب الرفاه بنتيجة كبيرة، ويتم تكليف أربكان، وفي 28 حزيران (يونيو) 1996م يشكل أربكان أول حكومة له مع تشلير، وفي 28 شباط (فبراير) 1997م يحدث تدخل الجيش عبر قرارات مجلس الأمن القومي، التي تضمنت 18 مادة تعني نهاية حياة أربكان السياسية، كما كانت بمنزلة مذكرة تحذيرية له، وفي 30 حزيران (يونيو) سقطت الحكومة الـ(54) بزعامة أربكان، وليكلف يلماز بتشكيل الحكومة، وفي 11 كانون الثاني (يناير) 1999م يشكل أجاويد الحكومة وفي أيار (مايو) 1999م تجري الانتخابات ليفوز أجاويد، ويستمر حتى الانتخابات المبكرة في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2002م، التي فاز فيها حزب العدالة والتنمية بنتيجة كاسحة ضمنت له أغلبية مريحة في البرلمان.
على المستوى الداخلي كان من أهم إنجازات الحزب القيام بإصلاحات سياسية واقتصادية جعلت الاقتصاد التركي في السلم الـ16 على مستوى العالم قوة، والثاني نموا، وعلى صعيد السياسة الخارجية فقد استطاع الحزب استعادة الهوية والتاريخ التركي، والأهم هو كسب ثقة الجيران من جديد عبر استخدام الدبلوماسية الناعمة والعامل الاقتصادي والثقافي، فتم توثيق العلاقات العربية التركية على المستويات كافة، كما أن فوز الحزب قد رسخ العلاقة بين الإسلام والديمقراطية، والتأكيد على أنه يمكن الجمع بنجاح بين فضيلة الحضارة الإسلامية وعقلانية وتطور الغرب، حسب ما يرى ذلك منظر السياسة الخارجية التركي وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو.
السؤال الأهم، الذي يطرحه السياسيون العرب، خاصة على الجانب التركي هل ما يحدث في تركيا هو سياسة حزب أم سياسة دولة؟ وتأتى الإجابة سريعا من الجانب التركي، بل هي سياسة دولة، والسؤال الأصعب هل سيستمر الوضع بعد 12 أيلول (سبتمبر) 2010م، كما هو عليه فيما يتعلق بالسياسة الخارجية التركية تجاه الجيران، خاصة العرب فيما لو حدثت مفاجأة سيئة لحزب العدالة والتنمية؟
