تُعد الزكاة إحدى الركائز الأساسية للنظام الاقتصادي والاجتماعي في الإسلام. وفي هذا الخصوص, فإن الزكاة ــ في حال تطبيقها ــ تحقق هدفين تطمح جميع الحكومات إلى تحقيقهما (النمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي). وفي هذا السياق يقول الباحث الفرنسي المسلم ليون روشي: ''إن دين الإسلام دين طبيعي اقتصادي فيه حل المسألتين الاجتماعية والاقتصادية اللتين تشغلان بال العالم, الأولى: في قول القرآن ''إنما المؤمنون إخوة'', فهذه أجمل المبادئ للتعاون الاجتماعي, والثانية: فرض الزكاة''.
الزكاة ليست مجرد معونة استهلاكية لسد حاجة عاجلة للفقير ثم تركه بعد ذلك للفقر, بل هدفها في الإسلام القضاء على الفقر, من خلال تحويل الفقراء إلى طبقة عاملة تنمو بالاقتصاد, فالزكاة تحقق كثيرا من الأغراض التي تعجز الأنظمة البشرية عن تحقيقها, حيث تُعد أداة أساسية في تحقيق عمارة الأرض من خلال توفير الموارد التمويلية اللازمة للتنمية الاقتصادية, فمن خلال الزكاة تتم مشاركة الأموال السائلة في دفع حركة النشاط الاقتصادي, فالزكاة في إحدى صورها مسألة تمويلية للمشاريع الصغيرة للطبقات الفقيرة.
ومن الخصائص التي تنفرد بها الزكاة مساهمتها في معالجة ظاهرة البطالة عن طريق رفع مستوى الإنتاج. وتمارس الزكاة دورها الإيجابي في رفع مستوى الإنتاج من خلال محاربة البطالة, وتتجلى وظيفتها في الحرص على بناء عنصر العمل بتنميته وتحسين إنتاجيته من خلال تمكين الفقير من إغناء نفسه، حيث يكون له مصدر دخل ثابت.
كما تؤدي الزكاة دورا بالغ الأهمية في علاج الانكماش الاقتصادي، فالزكاة تمثل تدفقات نقدية Cash Flow من الفئات الغنية إلى المستهلكين, ما ينعش الطلب على السلع الاستهلاكية في فترات الركود الاقتصادي، الزكاة تسهم في حماية الاقتصاد من التقلبات من خلال إعادة توزيع الدخل لمصلحة الطبقات ذات الميل المرتفع للاستهلاك، ما يكون له أثره في زيادة القوة الشرائية لهذه الفئات الكبيرة, وبالتالي زيادة الطلب الفعلي على السلع الاستهلاكية، وزيادة الإنتاج, فالزكاة هنا وبطريقة غير مباشرة تحمي الاقتصاد من مخاطر الكساد.
والزكاة أيضا وسيلة اقتصادية لتصحيح الخلل الطبيعي في توزيع الثروات, حيث تعمل على تصحيح توزيع الثروة من خلال إنفاق حصيلة الزكاة على الأنشطة التي تعود بالنفع على الفئات محدودة الدخل في المجتمع. الزكاة عند النظر إليها كنموذج اقتصادي معاصر تشمل عددا من المفاهيم والأنظمة مثل الضمان الاجتماعي, التأمين الاجتماعي، والمساعدات الاجتماعية.
ولعلنا لا نبالغ القول إن النظرة التقليدية للزكاة والتطبيق العشوائي لها جعلا هذه الفريضة لا تأخذ حقها من الاهتمام في الواقع الاقتصادي المعاصر. لذا, فإنه لا بد من إعادة قراءة الزكاة بمنظور معاصر ومن ثم تطوير آليات تطبيقها بما يتماشى مع ظروف العصر.
