تشرفت بالمشاركة مع نخبة من الزملاء الكتاب والمثقفين وقادة الرأي في السعودية، في حديث خيري جمعنا في منزل الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز رئيس مجلس إدارة جمعية الأمير فهد بن سلمان لرعاية مرضى الفشل الكلوي ''كلانا'' بتاريخ 28 آب (أغسطس) 2010، حول برنامج رعاية غسيل دموي لمرضى الفشل الكلوي المحتاجين.
في بداية الحديث، تشرفت وزملائي بالاستماع للأمير عبد العزيز بن سلمان وهو يستعرض بدايات جمعية الأمير فهد بن سلمان لرعاية مرضى الفشل الكلوي ''كلانا''، والأساليب العلمية التي تستند إليها الجمعية في إدارة دفة التبرعات الخيرية، التي ترد إليها من المتبرعين من أهل الخير.
حديث الأمير عبد العزيز بن سلمان عن الجمعية، أوضح أساسيات ومرتكزات العمل الخيري المؤسسي المحترف، الذي يستند إلى أسس علمية، تسهم بفاعلية في تحقيق الأهداف المنشودة للجمعيات الخيرية، ولا سيما في وضع جمعية ''كلانا''، التي تتعامل مع مرضى محتاجين ابتلاهم الله ـــ سبحانه وتعالى ـــ لحكمة لا يعلمها سواه، بمرض عضال مثل مرض الفشل الكلوي، وما يضاعف من حجم معاناتهم عدم توافر الموارد المالية اللازمة لمواجهة متطلبات واحتياجات الإنفاق على تكاليف العلاج، المتمثلة في قيمة الغسيل وقيمة الأدوية الضرورية لعلاج الأمراض المصاحبة لمرض الفشل الكلوي، بما في ذلك الأعراض الجانبية للمرض، هذا إضافة إلى أن عددا كبيرا من المرضى لا يمتلكون حتى قيمة أجرة النقل والمواصلات؛ مما يؤثر على التزامهم بمواعيد جلسات الغسيل، والذي يضاعف بدوره من حجم معاناتهم الجسدية والمعنوية والنفسية. نتيجة لتنامي احتياج أفراد المجتمع إلى العلاج من مرض الفشل الكلوي في السعودية، انطلقت فكرة برنامج رعاية الغسيل الدموي لمرضى الفشل الكلوي المحتاجين في 1/1/1428، والذي هو جزء من منظومة متكاملة لمجموعة من البرامج التي تم تصميمها بعد قيام الجمعية بإجراء مسح ميداني شامل لأوضاع مرضى الفشل الكلوي في المملكة، إضافة إلى مراكز الغسيل الموجودة في المناطق المختلفة، بالتعاون مع القطاعات الصحية المختلفة في الجهات الحكومية المهنية بالأمر.
نتائج المسح الميداني لأوضاع مرضى الفشل الكلوي في المملكة، كشفت عن تبعات مؤلمة للمرض، من بين أبرزها ارتفاع عدد المرضى في السعودية إلى أكثر من 11 ألف مريض، وارتفاع تكلفة علاج المريض الواحد، التي تجاوزت مبلغ 115 ألف ريال سنويا، والتزاحم الشديد على مراكز الغسيل الحكومية، وعدم أهلية بعض المرضى للعلاج في المراكز الحكومية، ومن هذا المنطلق استهدف برنامج رعاية الغسيل الدموي لمرضى الفشل الكلوي، تأمين خدمة الغسيل الكلوي الدموي بواقع ثلاث إلى أربع جلسات أسبوعيا، وتوفير الأدوية الأساسية، التي يحتاج إليها المريض قبل وأثناء وبعد جلسات الغسيل، وتوفير أيضا الفحوص الدورية وخدمات النقل والمواصلات.
جدير بالذكر، أنه منذ انطلاقة البرنامج وحتى تاريخ 10/6/1431هـ، تم علاج 700 مريض فشل كلوي، بتكلفة سنوية بلغت 80.500.000 ريال، كما قد تم صرف أكثر من 12 مليون ريال على بعض العمليات المصاحبة لعملية الغسيل، مثل عملية تركيب قسطرة أو تغيير مكان القسطرة، أو تركيب أو إزاحة الوريد الصناعي، أو عملية إزالة التجلط من الوصلة الوريدية، أو عمل أشعات وتحاليل.
جمعية الأمير فهد بن سلمان لرعاية مرضى الفشل الكلوي وبرامجها المختلفة، أثبتت قدرتها الفائقة على تحقيقها لأهدافها الإنسانية والنبيلة منذ إنشائها؛ نتيجة لوضوح أهدافها والتزامها بمستويات شفافية مرتفعة للغاية، بالذات فيما يتعلق بأوجه الإنفاق، والتقييم المستمر لجدوى ذلك الإنفاق.
إن اتباع الجمعيات الخيرية الأخرى في المملكة، لنهج وسياسة مماثلة لجمعية الأمير فهد بن سلمان لرعاية مرضى الفشل الكلوي، سيسهم بشكل كبير في تعزيز قيمة العمل الخيري في بلادنا، ولا سيما أن عددا كبيرا من الجمعيات والمؤسسات الخيرية المحلية، تعاني عدم وضوح الأهداف، وتدني مستوى الشفافية؛ مما يتسبب في إضعاف الثقة بتوجهاتها، وفي إحجام أفراد المجتمع عن المساهمات الخيرية، كما أن تركيز دور الجمعيات الخيرية، في تقديم المساعدات العينية والنقدية، لا يساعد على تنمية قدرات المتبرع لهم؛ لكون ذلك ينمي فيهم الكسل، ويقتل فيهم روح المبادرة والرغبة في الإنتاجية، ومن هذا المنطلق، فإن الأمر يتطلب من الجمعيات الخيرية، تقديم المساعدات التي تؤدي في نهاية المطاف، إلى اعتماد المستفيدين على أنفسهم، فعلى سبيل المثال، الاستثمار في تعليم وتدريب أبناء العائلات المحتاجة، يعد من بين أفضل أساليب العمل الخيري؛ لكونه سيسهم بفاعلية في إيجاد جيل متعلم، قادر على العمل وتأمين دخل ثابت يعين الأسرة المحتاجة على مقابلة احتياجاتها وتلبية متطلباتها الحياتية المختلفة.
إن وضوح أهداف الجمعيات الخيرية، والتزامها بتطبيق مستويات مرتفعة من الشفافية في جميع تعاملاتها، سيعمل على تغيير نظرة أفراد المجتمع إلى العمل الخيري، من مفهوم الاستجداء، إلى مفهوم يستند إلى أفضل الممارسات في مجال المسؤولية الاجتماعية، التي تعمل على الارتقاء بمستوى أفراد المجتمع بما يحقق متطلبات التنمية المستدامة.
إن ديمومة الموارد المالية للجمعيات الخيرية، سيساعدها على استمرارية قدرتها في تحقيق برامجها ومساهماتها الخيرية، والذي بدوره يتطلب تقوية العلاقة بالمتبرعين من خلال تكثيف الزيارات الميدانية، وإطلاعهم على تقارير دورية توضح لهم مصير تبرعاتهم وأسلوب إنفاقها على الأهداف لتحقيقها.
خلاصة القول، إن برنامج رعاية غسيل دموي لمرضى الفشل الكلوي المحتاجين، يُعدّ من بين أفضل البرامج الخيرية في المملكة العربية السعودية، الذي تقوم بتنفيذه جمعية الأمير فهد بن سلمان لرعاية مرضى الفشل الكلوي؛ لكونه يستند في تنفيذه لأهدافه إلى خطط واستراتيجيات مدروسة ودراسات وأبحاث ميدانية.
إن نجاح الجمعيات الخيرية في بلادنا وتحقيقها لأهدافها، يتطلب الارتقاء بمستوى الأداء، والذي بدوره يفرض الحاجة إلى رفع كفاءة العاملين في القطاع الخيري، وديمومة الموارد المالية، وتفعيل العمل التطوعي، والالتزام بدرجات شفافية مرتفعة، الأمر الذي سيعزز من ثقة المتبرعين بالجمعيات وبدورها الجليل في تنمية أفراد المجتمع وسد احتياجاتهم الضرورية والأساسية، والله من وراء القصد.
