الأربعاء, 21 أكتوبر 2026|9 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

السؤال الذي تصدر عنوان عمودنا اليوم موجه مباشرة لمن احترفوا خلط الأوراق بطريقة لا تحترم عقول الآخرين انطلاقاً من وهْمٍ كبير يسمى «احتكار الوطنية»، وبالتالي يظن هذا «المحتكر» أن كل ما يقوله ويتفوه به مغلفاً بالشعارات إياها عن الوطنية وعن الحرية وعن العدالة والمساواة... إلخ» سيسهل تقبله والقبول به وسيسهل تمريره على الناس دون أن ينتبه «محتكر الوطنية». إن مياهاً كثيرة جرت تحت جسره القديم ولم تعد كليشيهات حقبة قانون أمن الدولة قادرة على تسويق نفسها بعد أن سقطت أوهام كثيرة مع سقوط القانون سيئ الذكر، وتكشف حقائق ومواقف ما كان لها أن تتكشف في تلك الحقبة المأزومة بما يثبت ويبرهن صحة نظرية العالم السوسيولوجي الكبير «ألن تورين» الذي تحدث عن تيارات سياسية تتعيش على التأزيم وينمو ريشها وتزداد قوتها حضوراً كلما ضاقت وتأزمت حياة الناس في مجتمعاتها على كل صعيد اقتصادي أو سياسي، وهو ما نلمسه بوضوح لدى تيارات معينة ولدى ''المعارضة'' غير الشرعية التي يكفي قراءة خطاب واحد من خطابات أقطابها وقادتها للوقوف على نوايا التأزيم والتصعيد والنفخ في النار وتعبئة المواطنين ضد بعضهم بعضا وضد الدولة بما هي دولة ونظام وليس ضد السلطة فحسب، فقد اختلت موازينها وتقديراتها بشكل فاضح.

آخر ما قرأناه وسمعناه من فذلكات تأزيم أن ما جرى على مدى عامين كاملين من حرق وتدمير واعتداءات وإرهاب وجرائم هو نوع من ''حرية التعبير''.. حينها لم أملك شخصياً وأنا أقرأ هذا التبرير المضحك سوى أن أستعيد عنوان مسرحية الراحل سعد الدين وهبة ''يا سلام سلم الحيطة بتتكلم'' وهي تلخيص لشطارة وعبارة فهلوي نصاب ومشعوذ يستأجر فتاة صغيرة ويخبئها خلف الحيطة/ الجدار لتتكلم وتكلم الناس الذين يتهافتون على ''الحيطة'' الجدار الذي يتكلم ويدفعون ما في جيوبهم للمشعوذ الشاطر إلى أن يكتشفوا اللعبة، وما أسهل ما اكتشفوها.

وهكذا هم ''مشعوذو السياسة'' الجدد في بلادنا اعتبروا الحرق والإرهاب والتخريب ''حرية تعبير'' وقال قائلهم من الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان ''يحدث مثل ذلك في كبرى البلاد المتقدمة''!! هل هناك أسوأ من هذا التبرير؟

إذن أين حقوق المواطنين الآخرين يا حقوقي؟

مشكلتهم أنهم يتلقفون كلام البعض ويتعلقون به مثل الغريق الذي تعلق بقشة.. فسرعان ما أصبح ''كليشيه'' يردده كل من انحاز إلى أعمال التخريب وصفق بداخله وهو يرى الحرائق في الشوارع ''مقاومة مدنية'' وهو خلط آخر تعرى وانكشف فلجأوا إلى خلط جديد يثير السخرية ''حرية تعبير''..!

في تقديري الشخصي أن المشكلة في ثقافتهم السياسية فهي ثقافة انقلابية بامتياز، هكذا فهموا المعارضة وهكذا تفتح وعيهم السياسي الأول على روحية انقلابية اكتشفناها ونحن ندخل معهم في حوارات وجدالات ساخنة منذ اللحظة الأولى لولادة مشروع الإصلاح الذي وقفوا منه موقفاً مضاداً ومناهضاً منذ اليوم الأول له، ولم نجد في أطروحاتهم وأفكارهم ونحن نقلبها معهم نقاشاً أي مبرر مقنع ولم نجد أي مبرر واقعي يستندون إليه.. وهكذا هم إلى اليوم في تشدد موقفهم من المشروع الإصلاحي بما يجعلنا نستعيد معهم مقولة العالم السوسيولوجي ''ألن تورين'' حول التيارات والجماعات التي تتعيش على أزمات واختناقات الناس فتنفخ في أوارها بغية استمرارها لتستمر سطوة وسلطة هذه الجماعات والتيارات.

هل هي الانتهازية السياسية التي قرأنا عنها منذ سنوات طويلة؟ بالتأكيد هو نوع من ذلك بل ربما هي إحدى أسوأ الانتهازيات، فمن يصعد بزعامته على آلام واختناقات الناس لا يمكن أن يسمع لحوار العقل والواقعية، ذلك الحوار المعني بالناس وباستقرارهم وبسلمهم الأهلي ونسيجهم الوطني.

حرية التعبير هذه القيمة الإنسانية الكبيرة، وهذا الشرط الأساس للديمقراطية، غدت عندهم مجرد حائط صد ضد الكلمة الوطنية الشريفة التي تدافع عن السلم والاستقرار وعن مكتسباتنا.

وللأسف ''حرية التعبير'' أصبحت قرباناً يهدر دمه ويسفك على مذبح زعامات تحاول استعادة بريقها الذي انطفأ بالضحك على عقول العامة دون أن تدري أنهم أصبحوا يضحكون منها وعليها..!!

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية