لا يختلف اثنان أن الماء هو شريان الحياة .. بدونه لا يقوم لها قائمة، به قامت الحضارات وازدهرت وبدونه اندثرت ولأجله تصارعت وتقاتلت وما زالت الشعوب تحارب لأجل كوب أو شربة ماء .. وخصوصا أمام النقص الحاد في الموارد المائية والجفاف الذي تعاني منه بعض مناطق العالم .. وبالتالي فإن الماء لم يعد ببلاش .. وأغنية «شادية» (عطاشى والمية ببلاش) وإن الماء مجاني لم تعد تقنعنا وتطربنا .. وربما ندفع قريبا ثمنا للهواء الذي نتنفسه؟!
الأمر جاد .. بل ينذر بكارثة .. نأمل تداركها وإيجاد الحلول المناسبة لها .. وهذا تماما ما سعت إليه جاهدة مؤسسة ووتر إيد وهي منظمة بريطانية غير ربحية مقرها «لندن» .. نقلا عن «الاقتصادية» .. والتي بدورها أعدت تقريرا عن «فاينانشيال تايمز» البريطانية .. والتي أكدت فيه أن هناك مليار شخص لا يحصلون على الماء النظيف ..!! ونحو ثلاثة مليارات ليس لديهم مرافق صحية .. ويموت يوميا نحو خمسة آلاف طفل من أمراض متعلقة بنقص المياه .. وأن فقراء الأحياء الفقيرة المكتظة في «دار السلام» في «تنزانيا» يدفعون ثمانية دولارات مقابل ألف لتر ماء تشترى على فترات وتنقل بالصفيحة وفي حين أن الأسر الغنية في نفس المدينة والتي ترتبط بيوتهم بشبكة مياه البلدية يحصلون على نفس الكمية مقابل 17 بنسا فقط .. إذاً الفقراء يدفعون الثمن دائما..!!
المشكلة تكمن في توزيع الماء .. والطريقة التي تدير بها المجتمعات مواردها المائية .. وليس في الأنماط المناخية التي تجعل أماكن تعاني من الجفاف وغيرها من الفيضانات .. ولكن كيف نحدد سعرا عادلا وواقعيا يتساوى فيه الفقير مع الغني في استهلاك الماء .. لماذا يشقى الفقير للحصول على قطرة ماء؟ وغيره يستهلكونه وكأنه لن ينتهي أبدا .. هذه النقاط المهمة دأبت مؤسسة ووتر إيد على بحثها وتحليلها .. فوجدت أنه حتى تحديد سعر عادل للماء قوبل بالرفض نتيجة التجارة العالمية في «الماء الافتراضي» أي الماء المستخدم في إنتاج المواد الغذائية والبضائع المصنعة .. فبلد مثل «أستراليا» عانى مزارعوه من الجفاف لمدة سبع سنوات، ولكنه يصدر كميات من الماء الافتراضي .. ضعف ما يصدر أي بلد .. وذلك عن طريق شحنات القمح ومحاصيل أخرى تحتاج إلى كمية ماء كبيرة .. والمثير للاستغراب أن بنطلون الجينز الذي يكلف بضعة جنيهات يستخدم في تصنيعه 11 ألف لتر ماء .. أما «الهامبرجر» الذي يباع بأقل من دولار فإن إنتاجه يتطلب استخدام 2.400 لتر ماء.
«أندرو هارسون» المسؤول عن ترشيد استخدام الماء في برنامج «الأمم المتحدة الإنمائي» .. قارن بين التداول أو الاتجار بالماء .. بمفهوم التداول في «الكربون» الذي وضع سعرا لانبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون في «أوروبا» .. بموجب آلية تعرف باسم التداول ضمن سقف واحد .. حيث يفرض سقف معين عن كمية الكربون التي تستطيع الشركات إنتاجها ويسمح لهم بتداول نصيبهم المفروض فيما بينهم، وبالتالي فإن المزارعين سيمنحون حق استخدام كمية معينة من الماء .. ومن يريد استخدام كمية تزيد عن نصيبه فلا بد له من شراء الحقوق من شركات أخرى أو مزارعين آخرين في نظام التداول .. أي «التخصيص» لك حصة معينة إن تجاوزتها فلتتعامل مع شركة أخرى أو تتفق مع مزارعين لديهم فائض عنهم.
وهكذا من التجارة العالمية في الماء الافتراضي .. إلى التداول والاتجار في الماء .. إلى إيجاد سعر عادل للماء ينصف الفقراء .. إلى بلاد يموت سكانها من الجفاف .. ويدفعون حياتهم ثمنا باهظا للحياة!!
