الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

كما تظهره أحدث موجة من التفجيرات القاتلة في العراق على نحو واضح، فإن الحرب تمزق أي مستوى مقبول من الاستقرار. وقد ألقت التغيرات الأخيرة في الأجل الفوري الكثير من ظلال الشك على إجراءات إنهاء العمليات القتالية الأمريكية في العراق, التي سبق أن اتخذ قرار بخصوصها، بحيث تصادف نهاية آب (أغسطس) من عام 2010، وبحيث تكون خطوة لانسحاب القوات الأمريكية في تاريخ لاحق.

وفي ظل الإنهاء الرسمي للمهام القتالية للقوات الأمريكية على الأراضي العراقية، يصبح من الجدير بالمسؤولين عن إدارة العمليات العسكرية التأمل في الدروس التي استفادتها الولايات المتحدة خلال سبع سنوات من الاشتباكات العسكرية مع المقاومين العراقيين لوجودها. وتأتي عملية إنهاء المهام القتالية على خلفية فراغ سياسي طويل بسبب خلافات الأحزاب المتعددة التي أعقبت الانتخابات العامة العراقية. وما زال على التحالفات العراقية المتعددة التوصل إلى الاتفاق حول الشخصيات السياسية الرئيسة في البلاد، تمهيداً لتشكيل الحكومة العراقية.

لقد كانت العملية الانتخابية برمتها، بما في ذلك الترشيحات، وإجراءات التصويت، فوضوية، حيث تنافست 206 من الأحزاب والأطراف السياسية المتعددة في العراق. وتم الترتيب بصورة معينة لفترة ما قبل الانتخابات، بينما سادت فترة الخلافات السياسية ما بعد الانتهاء منها.

كانت أهم نتيجة لأحدث انتخابات شهدها العراق هي انهيار الائتلاف الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي, الذي اضطر بالتالي إلى تشكيل المجموعة الخاصة به، وذلك في خطوة محسوبة بعيداً من سياسة الهوية، وكذلك في محاولة من المالكي لتوسيع نطاق سلطته الشخصية من خلال العمل على تقسيم الائتلاف الشيعي واسع النطاق. وحرك رئيس الوزراء بذلك آمال التحالف السني المتمثل في الحركة الوطنية العراقية التي نالت 24.72 في المائة من الأصوات، مقابل 24.22 في المائة لائتلاف دولة القانون. وأدى هذا الفرق الضئيل في الأصوات إلى ما نشهده من مأزق سياسي في الوقت الراهن على صعيد تشكيل حكومة عراقية.

كانت الأحزاب الشيعية المتشددة للغاية هي أكبر الخاسرين في الانتخابات العامة الأخيرة، وكان أشدها خسارة هو حزب الفضيلة. وبعد انهيار الحلف الشيعي واسع النطاق، شكلت الأحزاب والكيانات السياسية الشيعية الأصغر حجماً ''الائتلاف الوطني العراقي''، في حين ظل شمال العراق بالفعل تحت سيطرة الحزب الكردي الديمقراطي والحزب المتحد.

إن من شأن قراءة ظاهرية غير معمقة للسياسة في العراق الإشارة إلى مشهد سياسي مثير للإعجاب يعكس نظاماً دستورياً منظماً, غير أن الواقع يقول إن ''الديمقراطية '' في العراق هشة، كما أنها تعكس بالفعل مصالح طائفية أخرى. أما إذا ما كانت الطائفية ستصبح المحرك الرئيس للسياسة في العراق، أم لا، فذلك أمر آخر يتعلق بالتطورات الخاصة بإمكانية إعادة المصالحة على الصعيد الوطني.

تحت السطح الرقيق للديمقراطية، نجد أن العراق مصاب بصورة عميقة بانقسامات اجتماعية في كل جوانب الحياة الوطينة، حيث يفكر كثير من الناس في الانتقام من أولئك الذين أشعلوا نيران الحرب الأهلية في الفترة من 2006 إلى 2007، إذ إن تلك الحرب ما زالت حية في أذهان كثير من الناس، كما لا يمكن لأحد نفي احتمال حدوث تطورات سيئة في الأجل القصير.

يمكننا القول من الجانب الاستراتيجي إن أشد خطر يواجهه العراق هو التوجه الانفصالي البعيد عن المسؤولية في الشمال الكردي، وكذلك القوة المتزايدة للاتجاه الإقليمي في جنوب البلاد، حيث الأغلبية الشيعية من السكان. وقد أعد الأكراد العدة اللازمة لإنشاء دولة خاصة بهم في شمال العراق، حيث الحدود الخاصة، والخلافات المستمرة مع الحكومة المركزية في بغداد، وحيث المناورات السياسية المستمرة من الجانب الإيراني، الأمر الذي قد يمهد إلى الاستقلال التام للشمال الكردي.

أما الوضع في جنوب العراق ذي الأغلبية الشيعية، فهو أشد تعقيداً. وهنالك توجهات دينية وسياسية واجتماعية واقتصادية، لكن الركن الأهم من كل ذلك هو وجود الثروة النفطية.

أما في الأجل القصير، فإن من أشد المخاطر التي تتعرض لها وحدة الأراضي العراقية، تلك الخلافات المستمرة بين إقليم الشمال الكردي وحكومة بغداد المركزية على مناطق جغرافية معينة، حيث يعود بعض تلك الخلافات إلى أمور تاريخية، إلا أن السبب الرئيس المحرك لها هو وجود الثروة النفطية، كما في حالة كركوك التي يطالب الإقليم الشمالي بضمها إليه، الأمر الذي يشعل الكثير من الخلافات.

الواقع أن عملية تقودها الأمم المتحدة لحل النزاع القائم حول كركوك قد فشلت، كما فشلت جهود مشاركين آخرين في العملية، مثل التركمان الذين لا يستطيعون تحمل مخاطر تطور هذا النزاع السياسي إلى حرب أهلية مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث تضع أكراد الشمال في مواجهة الأطراف المحلية، وكذلك القوات الأمريكية التي ستظل مرابطة في العراق بعد إنهاء العمليات القتالية الأمريكية رسمياً.

تريد الولايات المتحدة أن تقرر ما إذا كانت علاقاتها الخاصة مع النخب العراقية تستحق الدفاع عنها. وإن الإجابة عن ذلك تعتمد على ما التوقعات الحقيقية لتثبيت الديمقراطية على الأراضي العراقية، وفي أجزاء أوسع من هذه المنطقة من العالم. والسؤال هو: هل يتم التراجع بتلك التوقعات إلى ذلك المستوى الذي ساد في الأيام الأخيرة من ولاية الرئيس بوش الثانية؟

لقد نجحت الولايات المتحدة فيما يتعلق بإظهارها القدرة على إتمام مهمتها، وذلك على نحو لائق، حيث إنها خصصت الكثير من الموارد لهذا الأمر.

من الجدير بالملاحظة أن كبار المسؤولين الأمريكيين ظلّوا على الدوام، يقللون من أهمية النفوذ الإيراني، حتى أن نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، صرح بأن النفوذ الإيراني في العراق محدود للغاية، بينما كان كبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين يصرحون بعكس ذلك. وربما يعود الأمر إلى محاولتهم تبرير النجاح المحدود لعملياتهم العسكرية على الأرض.

على الرغم من كل تصريحات كبار المسؤولين السياسيين في واشنطن، إلا أنه ثبت أن إيران كانت الفائزة الحقيقية في الحرب على العراق. غير أن ذلك لا ينفي أن هناك جهات أخرى تحاول الظهور بمظهر الفائز، حيث تريد إيران، ويريد شيعة العراق، أن يكون الشيعة هم الحاكمون. وأما المسؤولون الأمريكيون، فيقولون إن التأثير الإيراني في العراق يشوبه الكثير من سوء الفهم.

يتساءل المجتمع الدولي عما إذا كان كذلك الإعداد الأمريكي لغزو العراق، ثم هذه السنوات الطويلة من الغزو، لم تكن فترة سعيدة للولايات المتحدة، وذلك من حيث إن النظريات السائدة تفيد بأن كل هذه العمليات لم تكن إيجابية بخصوص بروز أمة عراقية مستقرة. غير أن هذه الحقيقة لن تكون واضحة تماماً في الأجل القصير. وطالما ظلت الولايات المتحدة على ثقة بخصوص أهدافها الجيوبوليتيكية، فإن التدخلات على نطاق واسع في الشأن العراقي لا يمكن استبعادها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية