الأمريكيون يعرفون قبل غيرهم أنه ليس بالضرورة في السياسة أن تتطابق حسابات الحقل مع حسابات البيدر، فهم وإن دخلوا إلى العراق وأفغانستان بالقوة العسكرية المحضة، إلا أنهم يدركون تماما أن هذه القوة الضخمة لن تكفيهم مؤونة العمل السياسي الذي يجب أن يشكل وعاء لهذه القوة الضاربة لتحقق غاياتها.
لكنهم الآن وهم يعلنون انسحاب قواتهم من البلدين يعرفون أن مهمتهم لم تنجز كاملة، وأنها لم تصل إلى مرحلة النضج الذي يغريهم بالانسحاب .. رغم ارتفاع كثير من الأصوات التي تطالبهم بإعادة جدولة الانسحاب إلى ما بعد جاهزية الأنظمة للسيطرة على الأوضاع الأمنية المتردية في البلدين ومن قبل أطراف عدة قد لا تكون على وفاق سياسي .. حتى فيما يتصل بالوجود الأمريكي من أساسه .. فما الذي يدفع الأمريكان لنفض غبار بزاتهم العسكرية وإعلان الانسحاب؟
هناك أوضاع اقتصادية داخلية تريد أمريكا أن تلتفت إليها لمعالجتها بهدف إعادة ملايين العاطلين عن العمل إلى أعمالهم، وهناك انتخابات نصفية للكونجرس قد يخشى الديمقراطيون أن يخسروها مما يصعب من مهمة الرئيس أوباما في العامين التاليين من ولايته الأولى إن لم تكن له ولاية ثانية، لكن هذه المبررات تبقى مجرد عناوين سياسية لبنود أخرى لم يستوعبها الساسة الأمريكيون منذ قرار الحرب على الإرهاب، الذي جلب القوات الأمريكية للمنطقة، وهي أنهم وضعوا كل رهاناتهم على القوة العسكرية المحضة، دون النظر في الاعتبارات الأخرى، وهذا ما كشفه قرار حل الجيش العراقي منذ بداية الدخول للعراق على يد برايمر، متجاهلين التركيبة الديموغرافية للذهنية السياسية في هذه المنطقة، وتداخل ما هو وطني مع ما هو ديني أو مذهبي وطائفي، إلى جانب انفتاح شهية الطامعين في الحضور لهذه المائدة المفتوحة، التي لم تستطع أن تتحصن بفكر سياسي يعي الحقائق الموجودة على الأرض، ويتعامل معها وفق حسابات دقيقة تستطيع أن توازن بين الواقع على الأرض والحلول الممكنة أو المتاحة.
القوة العسكرية وإن أسقطت نظام صدام حسين في بغداد أو جاءت بكرزاي إلى سدة الرئاسة في كابل, إلا أنها لا تستطيع وحدها حماية هذا الخيار في ظل وجود أطماع متناقضة وتحالفات متشابكة من شأنها أن تنسف أي مشروع استقرار، ما لم تتحقق مصالحها ولو في الحد الأدنى على الأقل، وهذا ما دفع بعض القيادات السياسية التي جاءت مع الأمريكان إلى الابتعاد عنهم بنسب متفاوتة فور شعورها بفقدان ما ترى أنه حق مشروع لها من المكاسب، وليس أطرف من أن تتناغم دعوة رجل مثل طارق عزيز، وهو أحد أركان النظام السابق مع دعوات بعض القيادات السياسية في السلطة السياسية العراقية القائمة للمطالبة ببقاء القوات العراقية لفترة أطول, ما يشير إلى لخبطة المشهد السياسي وتشابك حساباته، إلى حد الجمع بين النقائض، وهي محصلة طبيعية للعمل العسكري الذي افتقد الإطار السياسي الواضح والقادر على احتواء مندرجاته، وهذا ما عجل بالنتيجة بهذه الانسحابات, التي وإن تمت وفق جداولها الزمنية إلا أن المؤكد أنها تمت أو ستتم في أوقات حرجة لم تكتمل خلالها البنية السياسية والأمنية للبلدين لإدارة شؤونهما بعيدا عن التوترات والتجاذبات التي ليس أقلها عجز الانتخابات الأخيرة التي مضى على إقفال صناديقها زهاء نصف عام عن حل معضلة صغيرة تتمحور حول تسمية رئيس الوزراء.
صحيح أن الأمريكيين جاءوا بشعار إحلال الديمقراطية, لكن الديمقراطية ليست مجرد ثوب يتم ارتداؤه تحت فوهة البنادق، خاصة عند شعوب لا تزال تعيش زلزال الولاءات والانتماءات وفي منطقة تمتلئ بالتحديات والأطماع، لأن الديمقراطية ثقافة شعوب في المقام الأول يجب أن تتأسس على عمل سياسي واجتماعي .. وهذا ما لم يحدث!
