ربما كان السلاح هو "السلعة" الوحيدة التي لم تتأثر سلبا من جراء الأزمة الاقتصادية العالمية، إلى جانب كبار المحتالين العالميين ـــ وهم كثر ـــ الذين استطاعوا الفرار من أيدي العدالة، ولا تبدو في الأفق أي مؤشرات، على إمكانية محاسبتهم في المستقبل. وإذا كان هذا السلاح يمثل وصمة عار في دول لا تحتاج إليه، فإن الأمر ليس كذلك في دول فُرض عليها صراع لا تريده، وعدوان تقاومه، وتهديد تمقته. والشرق الأوسط لم يكن منذ قيام إسرائيل، إلا منطقة عارمة بالتوتر. ووجود هذه الدولة المزروعة غصبا، استوجب الاستعداد لها، حتى في ظل عمليات السلام الكثيرة، التي لم تُنتج سوى مجموعة من الخيبات، بسبب عدوانية إسرائيل، وخوفها من سلام عادل لا تقدر عليه. هذا إضافة إلى مجموعة من التهديدات (الموسمية والدائمة) التي تستهدف المنطقة، ولا سيما الدول العربية فيها.
نعرف أن التسلح يؤثر سلبا في التنمية، خصوصا في دول لا تملك الكثير من المقدرات. ونعرف أيضا أن دولا كألمانيا واليابان وإيطاليا، استفادت من حرمانها من التسلح الكامل ـــ كدول مهزومة ـــ لتبني اقتصادات تصدرت القائمة العالمية الكبرى. لكن ما كان ينفع هذه الدول، لا ينفع دولا تعيش يوميا هموم العدوان والتهديد، في ظل غياب العدالة الدولية. تكاليف الصراع التي جمعها تقرير مجموعة "ستراتيجيك فورسايت" الهندية، البالغة 12 تريليون دولار أمريكي في غضون 19 عاما فقط، كبيرة جدا، حتى لو كانت ـــ وهذا أمر غير واقعي ـــ تكاليف السلام أكبر منها. وسيضاف ـــ ربما ـــ 12 تريليون دولار أخرى في العقدين المقبلين إلى هذه التكاليف. ولكن هل يقوى أحد على تخفيضها، بينما الصراع ـــ وإن تغيرت القيادات في المنطقة ـــ لا يزال قائما، والتهديدات التي تستهدف الدول العربية، تسود الأجواء؟
لا أحد يرغب في أن يدفع ثمن طائرة مقاتلة، يمكن أن يُنشئ مدرسة أو مستوصفا. لكن التسلح الإسرائيلي، لم يتوقف ولن يتوقف. فلا يضمن وجود الدولة العبرية إلا التسلح، ولا يمكن للدول العربية أن تكون مجرد مراقب، بينما تخزن إسرائيل ـــ إلى جانب أسلحتها العارمة ـــ 200 رأس نووي على الأقل. إن سباق التسلح ليس جذابا إلا لسماسرة السلاح، والمنتفعين من عوائده الهائلة، والسلام عند هؤلاء، يعني ببساطة توقف إيراداتهم. والأمر لا يحتاج إلى مفكرين اقتصاديين، لكي يعرف العالم، بأن التسلح يأكل ثمار التنمية، بل يقضي على مخططات الإنماء، قبل أن تُطبق. ولأن الأمر كذلك، فإن الدعوة إلى السلام، يجب أن تسبق الدعوات الهادفة لتشجيع التسلح. غير أن ما هو موجود على الساحة في الشرق الأوسط، لا يوفر أرضية صلبة لسلام يُوقف على الأقل التوسع الإسرائيلي والتشريد الفلسطيني المتواصل والتهويد المستمر، قبل أن نحلم بأرضية صلبة لسلام عادل قابل للحياة.
إن تخصيص 6 في المائة سنويا من الناتج المحلي للإنفاق العسكري في المنطقة، يعني خسارة ضعف هذه النسبة من النمو الاقتصادي والمعيشي، دون أن نتحدث عن الخسائر البشرية على الجانب العربي من صراع المنطقة، ولا سيما في أوساط الشباب والرجال، بل حتى الأطفال. ولا يمكن تبريد فوران التسلح، إلا إذا تخلى الإسرائيليون ـــ وغيرهم من الذين يستهدفون المنطقة ـــ عن محاولات فرضهم السلام بالاستسلام. وقتها لن تصل الأرباح إلى 52 مليار دولار سنويا، بل إلى أكبر من هذا المبلغ بكثير. وإلى ذلك الحين، ستظل مبررات التسلح موجودة بل متزايدة. وستبقى تبعات الصراع مُتسيدة للمشهد العام في المنطقة. إنها مسألة وجود وحقوق عربية، في ظل عدوان وتهديد إسرائيلي، إلى جانب أنواع أخرى من التهديدات.
