الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الصراع بين اليهود وتوظيف الموروث الثقافي العربي لخدمة القضية الفلسطينية

يوسف مكي
يوسف مكي
الجمعة 3 سبتمبر 2010 1:40

قبل عدة سنوات، بثت إحدى القنوات العربية برنامجا تحت عنوان: "عرب يهود أصوات غير مسموعة"، تناول أوضاع اليهود العرب داخل أراضي فلسطين عام 1948. مركزا على أوضاع اليهود في البلدان العربية قبل هجرتهم لفلسطين. شارك في البرنامج الباحث والشخصية الفلسطينية البارزة، الدكتور عزمي بشارة. وحمل كثيرا من القضايا والمعلومات المهمة.

الخلاصة التي يصل إليها متابع هذا البرنامج "الوثيقة"، هي تعذر القضاء على الذاكرة الإنسانية. لقد كان سهلاً على الصهاينة الانتصار عسكرياً، في الحروب التي خاضوها ضد العرب، وانتزاع الأرض، وفرض الهيمنة، أما فرض الأفكار ومسخ الهوية فلهما شأن آخر.. إذ ليس بمقدور أية قوة غاشمة أن تغير عقائد الناس وهوياتهم بالقسر والقهر.

فبعد 62 عاما على النكبة، وإنشاء الكيان الغاصب، ما زال كثير من اليهود يصرون على انتمائهم العربي، ويرفضون العقيدة الصهيونية. يتصل مشارك بالبرنامج، مشيرا، دون ذكر اسمه، إلى أنه يهودي عربي، ويتبعه آخر معرفاً نفسه بأنه سعيد، وأنه يهودي عراقي، وتتوالى الاتصالات، إيال بزاوي يقول أنا يهودي عربي من مصر، وشمعون بلاص يقول أنا كاتب وأديب يهودي عربي من العراق، سمير نقاش يشير إلى أنه كاتب ومؤرخ يهودي عراقي، نحن يهود عرب عراقيون. لقد حاولوا نزع جذورنا العراقية، لكن تلك الجذور رفضت أن تُزرع في "إسرائيل". فأنا طبعاً عراقي في الصميم وفي الفطرة وفي كل أحاسيسي ومشاعري ولغتي وعاداتي وتقاليدي.

أدرك الصهاينة، لجملة من الأسباب، حاجتهم لقوة بشرية كبيرة، مع أن المشروع أوروبي استيطاني خالص، استقطاب اليهود العرب والشرقيين إلى فلسطين المحتلة. السبب الأول هو عدم وجود كثافة سكانية كافية لديهم، لإدارة قضايا الحرب ومواجهة التوسع السكاني العربي، في فلسطين، والمخيمات الفلسطينية بالمناطق المجاورة. والسبب الآخر، أن الأوروبيين، باعتبارهم العمود الفقري للمشروع، والطبقة الأرستقراطية الحاكمة، غدوا بحاجة إلى أيد عاملة تتسم بالرخص من جهة، وبالانتماء لعقيدة الدولة من جهة أخرى. وقد أضافت هجرة اليهود العرب إلى فلسطين للصهاينة ذريعة أخرى يتعللون بها في معرض دفاعهم عن اغتصابهم الأرض العربية، بالقول إن ما حدث في فلسطين كان نزوحا سكانياً متبادلاً. بمعنى أن الفلسطينيين طردوا من فلسطين، ومقابل ذلك طرد اليهود العرب من الأقطار العربية، مشبهين ذلك بما حدث لباكستان والهند، حيث نزح السكان الهندوس من باكستان إلى الهند، ونزح مسلمون بالمقابل من الهند إلى باكستان. وهكذا عمل الصهاينة، بعد احتلال فلسطين، على تشجيع أبواب الهجرة اليهودية المشرقية إليها، بل توسعوا في بعض الأحيان إلى استخدام وسائل الترغيب والإكراه، لإرغام اليهود على مغادرة أوطانهم والتوجه إلى الكيان الوليد، "إسرائيل".

مورست عمليات اغتيال ونهب، وإلقاء قنابل يدوية على المعابد اليهودية لترهيب اليهود وإجبارهم على الهجرة. ومن المفارقات أن عددا من الذين رفضوا الابتزاز الصهيوني، هجروا من أوطانهم بالقوة من قبل الوكالة اليهودية، مكبلين بالقيود إلى فلسطين، وحين وصلوا إلى فلسطين أضربوا عن الطعام، استنكاراً للممارسات الصهيونية بحقهم، وأفصحوا عن رغبتهم في العودة إلى أوطانهم. وبعضهم، استقروا في الأرض المحتلة لفترة قصيرة، وانتهزوا أول فرصة للهروب من جحيم الاستيطان الصهيوني وهاجروا بعيداً، إلى خارج الوطن العربي.

ولا شك أن احتقان الشارع، في الأقطار العربية خاصة بعد مجزرتي دير ياسين وبئر السبع أسهم في تسعير المشاعر العدائية ضد اليهود، ما جعل الحياة تبدو صعبة بالنسبة لكثير من اليهود العرب. وقد أدى الضغط الصهيوني وحالة الاحتقان لدى العرب، وخشية اليهود من حملات إبادة بحقهم إلى نزوحهم عن بلدانهم.

وعلى الرغم من نجاح الصهاينة في الضغط على اليهود العرب للنزوح عن أوطانهم، فإن عدداً لا يستهان به، لم يقبل بالهجرة إلى فلسطين، وفضلوا الاستقرار في بلدان أخرى في أوروبا وأمريكا اللاتينية. فقد هاجر عدد كبير من اليهود المصريين للأرجنتين، وكونوا جالية كبيرة فيها. وواصلوا تعليم أبنائهم اللغة العربية. واستمروا في الاحتفاظ بالفولكلور الشرقي وتناول الأطعمة المصرية، وسماع أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب. وبالنسبة لليهود العراقيين واليمنيين، استقر كثير منهم في الولايات المتحدة، في لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو ونيويورك، وأوروبا الغربية، في باريس ولندن .. ولا يزالون يعيشون في تلك البلدان حتى يومنا هذا. أما الذين هاجروا إلى فلسطين، فقد عمل الصهاينة على احتوائهم، من خلال تأهيلهم للاستقرار والتكيف مع واقعهم الجديد، الأوروبي السمات، عن طريق غسل أدمغتهم، وقتل ذاكرتهم الجمعية، وإحلال انتماء آخر مصطنع، يبعدهم عن كل ما هو عربي وشرقي في ثقافتهم وتراثهم، ويجعلهم يتنكرون لإبداعاتهم التي صنعوها في حقب ممتدة، بحكم انتمائهم العربي. وكانت الخطوة الثانية، هي وضعهم في الخندق المعادي للثقافة والفكر العربيين، ومواجهة المشروع العربي الحضاري، والمشاركة في الحروب العدوانية المتكررة على الأمة العربية.

لم يكن تحقيق ذلك دائماً بالأمر الممكن، فقد رفض اليهود الشرقيون الاندماج في الثقافة الأوروبية الوافدة. وحافظوا في تدينهم وممارسة طقوسهم على طابع فولكلوري شعبي خاص. وقد وسع التباين الكبير بين العقلية الشرقية المحافظة التي أتوا بها والطابع الغربي للمستوطنين الأوروبيين، من شقة المسافة بين الثقافتين.

والمؤكد أن الممارسات العنصرية للأشكناز، قد وسعت من نظام الفصل العنصري الذي يمارس بحق الفلسطينيين الذين صمدوا أمام الإرهاب "الإسرائيلي" وتمسكوا بالبقاء في أرضهم، ليشمل اليهود العرب "السفارديم"، بما يعزز مستقبلاً من إمكانية قيام تحالف بين العرب الفلسطينيين واليهود العرب، في مواجهة الممارسات العنصرية الأوروبية.

ورغم أنه من المبكر الجزم بأن صمود الثقافة العربية لدى اليهود المشرقيين، والممارسات العنصرية من قبل الطبقة الحاكمة سيؤديان إلى خلق مواقف معادية لدى اليهود العرب للسياسات "الإسرائيلية" التوسعية ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع، وأيضا تجاه الممارسات العدائية الصهيونية تجاه البلدان العربية، فإن هناك مؤشرات تؤكد تنامي الوعي لدى قطاع كبير من اليهود العرب بعدم عدالة الصهيونية، وتعارضها مع الديانة اليهودية، وتعارضها مع مبادئ القانون الدولي.

فخلال الغزو الإسرائيلي للبنان، واحتلال مدينة بيروت، رفض جنود إسرائيليون من أصل مغربي القتال ضد اللبنانيين، وتعرضوا لعقوبة السجن مدة ستة أشهر. وحين أطلق سراحهم قاموا بجولة شملت أوروبا وأمريكا الشمالية، فضحوا فيها الممارسات الإرهابية "الإسرائيلية" وأوضحوا أن سبب رفضهم المشاركة في قتال اللبنانيين، هو انتماؤهم العربي، وبأنه ليس بمقدورهم قتال أناس مسالمين تربطهم بهم علاقة الثقافة واللغة. وأثناء الحصار على العراق في التسعينيات حتى احتلاله في نيسان (أبريل) عام 2003، شكلت جمعيات دعم ومساندة للشعب العراقي، من قبل اليهود العراقيين في فلسطين. وتشير وثائق حركة السلام "الإسرائيلية" الآن إلى أن أغلبية أعضائها هم من اليهود الشرقيين، بما يدعم فرضية إمكان خلق حقائق جديدة فيما يتعلق باتجاه ولاء اليهود العرب.

لقد تم اغتصاب فلسطين بالمكر والخداع والحيلة، واستغلال اختلال توازن القوة بين الأمة العربية والحركة الصهيونية، لفرض سياسة الأمر الواقع. وقد حان الوقت للنظر بطريقة أخرى لإدارة الصراع مع الصهاينة, طريقة تضع في عين الاعتبار مجمل الحقائق التي صنعت الكيان الغاصب، وتستثمر الشروخ والتصدعات في بنيانه، لتعمل على خلق واقع جديد، ينطلق من رؤية حضارية في قراءة الصراع، تحاول أن تجير حالة التشظي والضعف في الكيان الصهيوني، لصالح قضية النضال العربي. ومن ضمن ذلك الصراع بين الأشكناز والسفارديم، وتوظيف الموروث الثقافي لدى اليهود العرب، لخدمة القضية الفلسطينية.

بقي علينا أن نوضح علاقة ذلك بإمكان انبثاق مشروع لهزيمة المشروع الصهيوني .. وذلك ما ستكون لنا وقفة معه في الحديث القادم ـــ بإذن الله.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية