تولي المملكة من منطلق إيماني عناية كبرى لقضايا البيئة والمناخ والنشاطات الزلزالية، وكل ما يحدث في البيئة, على اعتبار أن الإنسان مستخلف في الأرض بغرض عمارتها، لا تدميرها أو العبث فيها, ولعلنا نتذكر أن المملكة أول من بادر بشكل عملي للدعوة لإنشاء صندوق خاص لدراسة ظاهرة الاحتباس الحراري, واتخاذ التدابير اللازمة للحد من تأثيره في المناخ عندما دعا خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في مؤتمر ''أوبك'' الذي انعقد في الرياض عام 2006 لإنشاء هذا الصندوق, رغم أن الدراسات المطروحة في هذا الصدد تتناول الأحافير البترولية كأحد المؤثرات, والنفط هو عماد اقتصاد المملكة, لكن لأنها تعي مسؤولياتها, فقد كانت المملكة أول المبادرين لدعم هذا الصندوق, وصولا إلى صيغ حلول تحفظ للبيئة حقها في تجنب الأضرار, وتحفظ حق المنتجين في استثمار خيرات أرضهم, إلى جانب مبادرتها في حماية مواطنيها من الهزات الأرضية مثلما حدث في منطقة العيص التابعة للمدينة المنورة العام الماضي.
وامتدادا لهذه العناية يأتي الإعلان عن تشكيل لجنة عليا من قبل عدد من الوزارات وفقما كشفت عنه هيئة المساحة الجيولوجية لـ ''الاقتصادية'', وذلك لدراسة الهزات الأرضية المتنامية بالقرب من مركز حرض في المنطقة الشرقية لمعرفة واستقصاء أسباب هذه الهزات، وما يجب عمله حيالها, والوصول إلى حقائق علمية واضحة لفهم أسباب حدوثها في منطقة استخراج النفط, حيث شهدت المنطقة نحو أربعة آلاف هزة منذ عام 2006, وبحث إذا ما كانت هناك علاقة بين استخراج النفط وحقن المياه من عدمها, يأتي هذا الإعلان ليؤكد حقيقتين .. الأولى حماية مصادر النفط بصفته عماد الاقتصاد الوطني باتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة وفق الأصول العلمية, والأخرى: إيمان المملكة بضرورة الحفاظ على البيئة، ومعالجة أي سبب يمكن أن تؤدي نتائجه إلى الإضرار بالبيئة باستخدام أفضل السبل التي تتيح استمرار عمليات الاستثمار دون تعريض القشرة الأرضية لأي ضرر, وبصرف النظر عن التكاليف على اعتبار أن تكاليف إلحاق الضرر بجيولوجيا الأرض أكبر تأثيرا في مستقبل هذه الصناعة وتاليا في المواطن الذي يتم استثمار هذه الصناعة لمصلحة تنميته وتأمين الحياة الكريمة له.
وهذا المبدأ الأخلاقي الذي لم تحد عنه المملكة منذ نشأتها, هو ما يطالب به الناشطون في مجال حماية البيئة, ومنظمات السلام الأخضر وغيرها من المهتمين بالبيئة والمناخ وقضايا الطبيعة, خاصة بعدما أوغلت البلدان الصناعية وذهبت بعيدا في اللهاث خلف الاستثمارات دون أي مراعاة لهذه الثوابت البيئية التي كان من الواجب أن تتضافر الجهود على المستوى الدولي للحيلولة دون العبث بها أو النيل من استقرارها كخط أحمر, لأننا نعيش على كوكب واحد, وما يلحق بأي جزء من أجزائه إنما يصيب الكوكب برمته, لكن غلبة رأس المال وسيطرة الشركات العملاقة على القرار الدولي أعاقتا مثل هذه الجهود التي جاءت المملكة في طليعتها من أن تأخذ ما تستحقه من حيز الاهتمام. ولعل هذه الخطوات التي بادرت بها المملكة لدراسة هذه الظواهر تكون بمنزلة القدوة للآخرين على كيفية احترام البيئة, والتعامل معها تبعا للأصول العلمية, خصوصا أن الأمر لا يزال يحتاج إلى جهد دولي مشترك يتحمل فيه جميع سكان هذا الكوكب, من دول وشركات ومنظمات, مسؤولياتهم الأخلاقية للمحافظة عليه, والعمل على اتباع صيغ علمية مدروسة بعناية تكفل للجميع حق استثمار مقدرات البيئة وموجوداتها دون إحداث أي أضرار قد تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه, وهذا ما سعت وتسعى إليه المملكة, وهي تستشعر دورها كبلد وازن في المنظومة الدولية, سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو حتى المعنوي, وهي تتمثل رسالة الإسلام الخالدة في عمارة الأرض وحمايتها من جور الإنسان وأطماعه التي لا تنتهي.
