تطورت تجارة التمور في المملكة في السنوات الأخيرة بشكل لافت، بعد قيام مزارعي منطقة القصيم وتجارها بتنظيم مهرجان سنوي في مدينتي بريدة وعنيزة. ولعل هذا المهرجان، الذي أصبح يقام في موسم التمور في فصل الصيف من كل عام منذ نحو ست سنوات، هو الأكبر عالميا سواء من حيث حجم أو قيمة أو نوعية المبيعات، التي وصلت بحسب تقديرات بعض القائمين على تنظيمه إلى نحو سبعة ملايين ريال يوميا. المهرجان لا يمثل كل تجارة التمور، بيد أن مبيعات التمور من خلاله باتت تتزايد سنة بعد أخرى حتى وصلت إلى نحو 40 في المائة من مجمل عمليات البيع التي تتم هذه الأيام في القصيم. اقتصاديا، من المهم العناية بتجارة أصبحت تدر على اقتصادنا نحو ملياري دولار سنويا، فضلا عن الفوائد الاقتصادية غير المباشرة التي تترتب على تنمية زراعة وتجارة التمور ومشتقاتها.
وإذا كانت الدول ترعى وتحتفي بمنتجاتها التي تتمتع فيها بميزة نسبية في تجارتها الدولية، فمن الطبيعي أن تتكاتف الجهود في القطاعين العام والخاص لتنمية واستغلال وإبراز ومساندة هذا المنتج المميز. فقد اشتهرت فرنسا بإنتاج العطور، وعرفت هولندا بمهرجان الزهور، وحري ببلادنا أن تُعرف وتُشتهر بمهرجان أجود وألذ أنواع التمور في العالم. لقد حمل الأمريكيون الأوائل الذين عملوا في شركة أرامكو قبل نحو 70 عاما بعضا من أجود شتلات النخيل من المملكة لغرسها في كاليفورنيا حتى غدا الزائر لهذه الولاية الأمريكية في فصل الصيف يمكنه الحصول على نوعيات عالية الجودة وجميلة التعبئة من التمر البرحي والسكري من خلال البريد. لكن السعوديين تمكنوا في المقابل من زراعة أنواع جديدة من التمور كالمجدول الذي تم استيراد بذوره من أمريكا، لتنجح عملية زراعته في القصيم، وتنضم إلى أكثر من 400 نوع من التمور التي تنتجها مناطق المملكة المختلفة. ولعل نجاح مهرجان القصيم يكون حافزا لتعدد المهرجانات في بقية مناطق البلاد، لتتنافس من خلالها المناطق على تسويق ما تتميز به من هذه الأنواع. ومعلوم لدى خبراء الزراعة أن تطوير سبل تسويق المنتجات الزراعية يلعب دورا حاسما في زيادة إنتاجها وتطور واستقرار معيشة مزارعي وتجار هذه المنتجات.
إن نجاح مهرجان التمور في منطقة القصيم اقتصاديا وإعلاميا سيثمر في بلادنا في يوم ما مركزا عالميا مرموقا لتجارة التمور، وسيجعل من هذه المهرجانات وسيلة ناجحة لتسويق تمورنا محليا وعالميا، على الرغم من بعض الصعوبات التي تواجه هذا النشاط، سواء في مجالات التسويق والتغليف ونقص المياه، أو محدودية الأبحاث الزراعية المتعلقة بزراعة النخيل، وكيفية التغلب على أمراضها، فضلا عن مواجهة التغيرات المناخية الحادة التي تشهدها بلادنا.
لقد كانت مفاجأة مهرجان هذا العام هي التطوير اللافت في مجال التسويق الذي أجراه المنظمون على مهرجان عنيزة الدولي السادس للتمور 2010، باستحداثهم أول سوق إلكترونية فورية ومباشرة للتمور في العالم! الأمر الذي مكّن نحو 17 عميلا من روسيا من الدخول في المزادات للمرة الأولى في تاريخ المهرجان، حيث نفذوا 26 عملية احتوت على 700 كيلو جرام من أجود أنواع السكرية الصفراء. وكان اللافت في الأمر أن هذه المشتريات تمت على الرغم من أن تكلفة شحن هذه الكميات من القصيم إلى موسكو فاقت تكلفة شرائها بأربعة أضعاف، وجعل الروس يحتلون للمرة الأولى المرتبة الأولى ضمن عملاء هذا المهرجان قبل السعوديين والإماراتيين. ولأن النجاح يقود إلى مزيد من التطوير، فقد بادر منظمو المهرجان بالتعاقد مع إحدى الشركات الدولية المتخصصة في نقل المنتجات الزراعية، لتوفير هذه الخدمة بين القصيم وموسكو أو غيرها من مناطق العالم. العمل الناجح فيه قوة دفع ذاتية تقوده دائما من نجاح إلى آخر. أهلا بالمركز العالمي الجديد لتجارة التمور في العالم!
