في مطلع العقد الأول من القرن الـ 21، كان بعض الاقتصاديين الغربيين (من أولئك الذين ارتكبوا الأزمة الاقتصادية العالمية فيما بعد)، يوجهون انتقادات للسعودية، على سياستها الاقتصادية التي كانوا يصفونها بالمحافظة. كانوا يعتبرون، أن مثل هذه السياسات لا تتوافق مع الحراك الاقتصادي العالمي النشط، دون أن يشيروا وقتها بالطبع، إلى أن هذا الحراك، لم يكن سوى فقاعة، سرعان ما تبخرت، وتبخر معها وهْم الازدهار. ولولا قوة ومتانة المملكة سياسيا واقتصاديا، وتعاظم دورها على الساحة العالمية، لكانت هذه الانتقادات أقوى وأشد، وربما تحولت إلى هجوم عليها. فهؤلاء تخصصوا في بلدانهم في فترة ما قبل الأزمة، بالهجوم على كل من يطلب منهم التروي والحذر، وإعادة النظر في آليات الاقتصاد العالمي، بما في ذلك أساتذة جامعات حازوا جوائز عالمية (ومن بينها جائزة نوبل)، تقديرا لما قدموه من بحوث اقتصادية مهمة.
المملكة لم تكن تهتم بما كان يقال بهذا الخصوص، وربما كانت مقولة الكاتب والأديب الأيرلندي الساخر برنارد شو، متجانسة مع هذا الموقف حين قال: "إنهم يقولون .. ماذا يقولون؟ دعهم يقولون". أما لماذا لم تهتم؟ فلأنها تعلمت من تجارب قاسية، ولا سيما عندما انهارت أسعار النفط في الأسواق العالمية، في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، الأمر الذي عرّض البلاد لأزمة مصرفية حادة، ولأنها أيضا عرفت، أن الحراك الاقتصادي العالمي (ولا سيما المالي منه)، لم يكن يحاكي نهضة، بل كان يُلاغي طفرة. والجميع يعلم أن الطفرات، لا تستند إلى منهج واضح المعالم، كما أنها لا تمتلك عوامل الاستدامة. وعلى هذا الأساس، حلت في المملكة عن طريق مؤسسة النقد العربي السعودي سياسة إدارة المخاطر، لا مخاطر الإدارة، في حين كانت "مخاطر الإدارة"، مسيطرة على المشهد الاقتصادي العالمي، خصوصا في الدول التقليدية الكبرى، التي فقدت ـــ من سوء الإدارة ومخاطرها ـــ بعض آليات قوتها التاريخية.
تقرير صندوق النقد الدولي، عن متانة قوة المملكة في مواجهة الأزمات المالية، يؤكد مجددا نجاعة السياسة المالية للسعودية، ليس فقط في إدارة المخاطر، بل أيضا في التقليل من آثارها، خصوصاً أن المملكة مُعرضة ـــ بحكم ترابطها مع الاقتصاد العالمي ودورها في حراكه ـــ لمخاطر اقتصادية خارجية لا داخلية. فكم من بلدان نالتها الأزمة العالمية، بينما لم تكن طرفا في مقدماتها. كان للأُطر الرقابية والتنظيمية المُحكمة ـــ والمرنة أيضا ـــ في المملكة الدور الأكبر، في حماية القطاع المالي السعودي، دون أن تنال من حرية الحراك في هذا القطاع. وهذا في الواقع ما كان ينقص، أكبر بلدان العالم لتفادي الأزمة العالمية، أو على الأقل، للتقليل من مخاطرها والحد من تبعاتها، التي من المنتظر أن تتواصل طوال العقد الثاني من القرن الجاري. فهذه الأُطر، لم تكن مُكبِلة للنظام المالي .. بل كانت حامية له، ولم تكن مُعطِلة .. بل كانت ضامنة له. وأثبتت "دراما" الأزمة، مدى أهمية مثل هذه الأطر وصلاحيتها.
ربح القطاع المالي السعودي، عندما خسرت القطاعات المالية في أغلبية دول العالم، وسجل نموا ائتمانيا، عندما سُدت الطرق أمام الائتمان في هذه الدول. وفي الوقت الذي تراجعت فيه تحويلات العاملين الأجانب في الأغلبية العظمى من دول العالم، سجلت هذه التحويلات في السعودية ارتفاعا في عز الأزمة العالمية. ماذا يعني هذا؟ يعني أن "الوباء" الاقتصادي العالمي، كان أدنى من "القوة الدفاعية" الاقتصادية السعودية، وأن "الأوبئة" التي قد تظهر في المستقبل، (خصوصا إذا ما فشل العالم في إنشاء منظومة اقتصادية جديدة، وفقا لمعايير الأزمة)، لن تقترب كثيرا من جهاز المناعة الاقتصادي في المملكة.
إنها مناعة، ليست لهذا الجهاز فقط، بل للاقتصاد الوطني برمته.
