العجلة الاقتصادية تتحرك عندما تتفاعل عناصرها لتنتج الحياة، لكن القوة الدافعة الأساسية للعجلة الاقتصادية التي تضمن استمرار تفاعل عناصرها هو ما وصفه آدم سميث بـ ''اليد الخفية''. فنحن جميعا نعمل ليس من أجل مصلحة الجميع بل من أجل المصالح الخاصة أولا ولكننا في عملنا ذاك، وبلا قصد منا، نعمل لمصلحة المجتمع ومن أجل منافعهم. وتلك هي الرأسمالية التي تقبل سعي التجار لتعزيز أرباحهم، وتعد تلك الرغبة مزية اقتصادية يجب الدفاع عنها ويجب احترامها لأنها الحياة. يجب ألا نتوقع من أي تاجر أن يكون رحيما بنا وأن يتنازل بنفسه وتبرعا منه عن أرباحه العظيمة ويتخذ قرارات تصب في مصلحة المجتمع لأنه يعتقد أن ذلك الاتجاه سيخدم المقاولين والمزارعين والاقتصاد، يجب أن نتذكر جميعا أن المدينة الفاضلة والفضائل العليا ليست سوى حلم لم يكن للبشرية أن تحققه على هذه الحياة التي سميت ''دنيا''. إن انتهاز التجار الفرص طبيعة فطرية فيهم يجب ألا تكون مستغربة لكن عندما تتجه هذه النزعة لإلحاق الضرر بالآخرين، فنحن لا ننتظر منهم ضبطها بل يجب أن تتدخل الدولة لتعيد الأمور إلى وضعها الطبيعي. فدور الدولة هو مراقبة العجلة الاقتصادية وجميع أركانها فإذا تعطل جزء عملت على دعمه وإذا تجاوز حده في السرعة تعمل على إبطائه نحو هدف التوازن الاقتصادي المنشود.
في هذا الإطار الاقتصادي الشامل فوض مجلس الوزراء وزير التجارة والصناعة بتحديد الحالة غير العادية لأي سلعة تموينية ومن ثم إخضاعها للضبط ـــ أي إيقاف عمل اليد الخفية مؤقتا لتعمل يد الدولة بدلا عنها حتى يتم إصلاح العطل الاقتصادي. وفي الآونة الأخيرة شهدت الأسواق المحلية ارتفاعا غير مبرر لأسعار الشعير في تحرك سلبي ـــ ليس مستغربا ـــ لليد الخفية من التجار أملا في الاستفادة مما تتناقله وسائل الإعلام عن الأزمة التي حصلت في أسواق الشعير العالمية من جراء الفيضانات، والجفاف الذي ضرب الدول المصدرة. استغل التجار الحدث وبدأوا بتخزين الشعير وتجفيف الأسواق ـــ كما حصل مع الحديد ـــ ومن ثم خلق سوق تتسم بالشح والندرة وفرض رفع الأسعار على أساس المشكلات العالمية، بينما الحقيقية أن ذلك الارتفاع غير مبرر نظرا لوجود مخزون في حدود 1.200 مليون طن بالأسعار التي سبقت الارتفاع العالمي. قليل منا كمستهلكين يعرف تلك الحقيقة ـــ حقيقة وجود ذلك المخزون بالأسعار القديمة ـــ فقط وزراة التجارة تمتلك ذلك. هنا فإن تدخل الدولة لضبط استغلال التجار عمل صالح وفي مصلحة الحركة الاقتصادية ككل ومنها التجار أنفسهم، وصدور قرار وزير التجارة والصناعة بإخضاع سلعة الشعير لأحكام التنظيم التمويني قرار في محله تدعمه النظرية الاقتصادية الرأسمالية نفسها التي ترى حرية التجارة والتجار.
صدر القرار ليس لقتل اليد الخفية، بل كي تكون مفيدة، فجاء القرار بمنح نسبة هامش ربح مقداره 5 في المائة من تكلفة الاستيراد بعد خصم مقدار الإعانة ورسوم التفريغ في الموانئ. وهذا يضمن أن يتم نقل فوائد الإعانة للمجتمع وليس حصرها على التجار فقط، فالهدف من الإعانة ليس التجار بل إعانة المستهلك الأخير من خلال خفض الأسعار. لكن ذلك لن يتحقق إلا بضبط الأسعار. فمنح الإعانة وترك الأسعار تعمل بحريتها سيتسبب في إبقاء الدعم عند التجار فقط، بينما سيتم نقل تكاليف الاستيراد والأسعار للمستهلك فتظل الأسعار مرتفعة برغم الدعم. لكن بقيت مشكلة تحديد السعر، فالسعر الثابت يخلق مشكلة البيع بخسارة بالنسبة للتجار وذلك مع استمرار ارتفاع الأسعار العالمية، وهذا يقتل اليد الخفية بدلا من إصلاحها وهو ما لا تريده الوزارة، لذلك جاء القرار بضبط الأسعار من خلال ضبط هامش الربح فهو يضمن للتجار ربحا ويضمن ضبطهم لما فيه مصلحة الاقتصاد. على أن الاعتراف بقضية ارتفاع الأسعار العالمية وأثرها موجود في روح القرار. ونظرا لأهمية وخطورة الموضوع كانت العقوبات رادعة فعلا، ومع ذلك بقيت الرقابة ولا خضوع إلا برقابة وهنا تظل التعليقات مفتوحة.
