الأحد, 18 أكتوبر 2026|6 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

في الآونة الأخيرة كانت إفريقيا الوسطى تجتذب قدراً غير معتاد من الاهتمام. والواقع أن الاكتشافات الجديدة لرواسب معدنية ضخمة وغير ذلك من الفرص فتحت المجال لتنويع الاستثمارات إلى خارج قطاع النفط المهيمن في غينيا الاستوائية والجابون.

ومن المتوقع أن تجتذب الكاميرون عشرة مليارات دولار أمريكي على مدى الأعوام الخمسة المقبلة لتنمية وتطوير بعض الاحتياطيات المعدنية الجديدة الأكثر تبشيراً بالخير في المنطقة، في حين تعمل غينيا الاستوائية على تحسين وتنمية البنية الأساسية. كما أعلنت شركة بي إتش بي بيليتون (أضخم شركة تعدين في العالم) اكتشاف ما يقدر بنحو 60 مليون طن من المنجنيز في جنوب شرق الجابون، في حين تعكف شركة أريفا الفرنسية على وضع الخطط لحفر منجم ضخم في جمهورية إفريقيا الوسطى لاستغلال رواسب اليورانيوم.

ولكن الجمع بين ''الموارد الطبيعية'' و''إفريقيا'' يعني عادة ضرورة دق ناقوس الخطر، وإفريقيا الوسطى ليست استثناء. فهناك العديد من المخاطر السياسية الكبرى التي ترتبط بالمصالح السياسية والتجارية المتداخلة للنُخَب الحاكمة الراسخة في المنطقة، وهو ما يشكل مصدر انزعاج للمستثمرين المهتمين بسمعتهم. فالفساد مستشر، وتضطر أغلب الشركات في كثير من الأحيان إلى العمل مع شركاء تختارهم الحكومة، علماً بأن السيطرة على هؤلاء الشركاء محدودة للغاية.

في شباط (فبراير) كشف تقرير صادر عن مجلس الشيوخ الأمريكي عن اعتداء صارخ على أموال الدولة في غينيا الاستوائية. فقد ذكر التقرير أن نجل الرئيس تيودور أوبيانج نجويما مياسوجو كان يستعين بمحامين ومصرفيين ووكلاء عقاريين أمريكيين لنقل أكثر من 110 ملايين دولار إلى الولايات المتحدة أثناء الفترة من 2004 إلى 2008، ويستخدم هذه الأموال لشراء منزل بمبلغ 30 مليون دولار في ماليبو في كاليفورنيا، وطائرة نفاثة، فضلاً عن عدد لا يحصى من السلع الكمالية الترفيهية. وهو الآن خاضع للتحقيق الجنائي ويواجه اتهامات بغسيل الأموال والرشوة والابتزاز. كما تحدث التقرير عن أسر حاكمة أخرى في المنطقة، بما في ذلك عشيرة بونجو في الجابون، التي اتهمت أيضاً بإساءة استخدام الأموال العامة.

وتشكل المخاطر السياسية وحقوق ضمان الحيازة مزيدا من العقبات أمام المستثمرين. إن التدخل السياسي في القطاع الخاص في مختلف أنحاء المنطقة يعني أن أغلب المشاريع الضخمة يتم تنفيذها باعتبارها مشاريع مشتركة مع شركات تسيطر عليها الدولة (ويترأسها في بعض الأحيان وعلى نحو مستتر أفراد من النخبة الحاكمة). وهذا يعني في كثير من الأحيان الاضطرار إلى تقديم دفعات غير مشروعة من الأموال في مقابل الحصول على العقود أو التراخيص خارج عمليات المناقصة الرسمية.

وفي حالة تغيير الأنظمة الحاكمة فإن مثل هذه العقود قد تصبح عُرضة للمراجعة، كما حدث في عديد من البلدان الإفريقية الأخرى. والواقع أن مثل هذه التغيرات كانت نادرة نسبياً في المنطقة التي ظلت لمدة طويلة خاضعة لهيمنة ''الرجال الكبار'' من أمثال عمر بونجو، وأوبيانج، ورئيس الكاميرون بول بيا. ورغم ذلك فإن تقدم بيا في السن يثير تساؤلات خطيرة حول التداعيات المحتملة التي قد تنتج عن التحول السياسي وما قد يعنيه هذا التحول بالنسبة للعقود القائمة.

ولقد أظهر تولي علي بونجو زمام السلطة في الجابون أن حتى التحديات الضخمة التي تفرضها التحولات السياسية غير المخططة إلى حد كبير يمكن التغلب عليها، ولكن من المرجح ألا يكون انتقال السلطة بهذه السلاسة في الكاميرون. وتشير الدلائل في الأعوام الأخيرة هناك وفي عديد من المناسبات إلى احتمالات اندلاع اضطرابات اجتماعية، في حين تشير الانقسامات العرقية الإقليمية، واللغوية، والمدنية في المواجهة العسكرية، إلى أن أي فراغ في السلطة على القمة من شأنه أن يزعزع الاستقرار في المنطقة.

ولكن هناك بعض العلامات الباعثة على الأمل. فأخيرا اختارت الجمعية الاقتصادية النقدية المشتركة لإفريقيا الوسطى لوكاس أباجا نشاما من غينيا الاستوائية لتولي منصب رئيس بنكها المركزي (البنك المركزي لدول إفريقيا الوسطى). وهو بهذا يصبح أول شخص من خارج الجابون يتولى هذا المنصب منذ تأسيس البنك في عام 1972. ومن المفترض الآن أن يتم تداول المناصب القيادية في كل من الجمعية الاقتصادية النقدية المشتركة لإفريقيا الوسطى والبنك المركزي لدول إفريقيا الوسطى بين ستة من البلدان الأعضاء ـــ الكاميرون، تشاد، الجابون، غينيا الاستوائية، جمهورية إفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو ـــ الأمر الذي يبشر بمزيد من التكامل الإقليمي.

كان المنصب قد ظل شاغراً بعد فضيحة الاختلاس المخزية في تشرين الأول (أكتوبر) 2009 والتي لحقت بمسؤولين كبار، وأغلبهم من الجابون. فقد تكبد البنك خسائر بلغت 28 مليون دولار نتيجة لعمليات احتيال كبرى في مكتب باريس، الأمر الذي أظهر نقاط الضعف التي تعيب عمليات المراجعة وآليات الرقابة. والواقع أن تعيين نشاما يمثل انفصالاً واضحاً عن الماضي، وهو يزعم أنه الرجل القادر على تغيير الأمور.

ولكن تظل الشكوك قائمة بشأن ما إذا كانت الوجوه الجديدة في المنطقة قادرة على إنهاء الأنماط القديمة من سوء الإدارة والانتهاكات. إن الأمر يحتاج إلى عملية تطهير لاستعادة المصداقية، ولكن احتمالات الإصلاح الشامل تظل محدودة، وذلك نظراً لتاريخ طويل من ضعف العملية المحاسبية والافتقار إلى معايير الشفافية في أغلب البلدان الأعضاء.

وعلى هذا فإن تعيين نشاما يُعَد نجاحاً لغينيا الاستوائية في سعيها الطويل إلى تعزيز نفوذها في الجمعية الاقتصادية النقدية المشتركة لإفريقيا الوسطى. ولقد أنفقت البلد بعض عائداتها من النفط لزيادة مساهماتها في البنك المركزي لدول إفريقيا الوسطى، حيث تسهم الآن بنحو 48 في المائة من احتياطيات البنك المركزي لدول إفريقيا الوسطى من النقد الأجنبي. ويبدو أن هذه الاستراتيجية آتت ثمارها. ولكن نظراً لضلوع عشيرة أوبيانج في جرائم فساد وتلاعب بأموال الدولة، فإن هذا لا يبشر بالخير فيما يتصل بالإصلاح الإقليمي.

إن أغلب حكومات الجمعية الاقتصادية النقدية المشتركة لإفريقيا الوسطى، ربما باستثناء الجابون ـــ حيث من السابق لأوانه تقييم مدى فاعلية الإصلاحات التي اقترحها الرئيس الجديد ـــ تديرها نُخَب حاكمة ضيقة الأفق تنخرط في استعراض الديمقراطية ظاهرياً في حين تعمل على عرقلة عملية التحرر السياسي والاقتصادي الحقيقية. وهذا النمط من الحكم يشكل الظروف المثالية لاستغلال الوظيفة العامة، وهو ما أدى بدوره إلى استشراء الفساد وتوطنه. وكما هي الحال عادة في مختلف أنحاء القارة، فإن شعار المستثمرين الراغبين في الاستثمار في موجة ازدهار الموارد الطبيعية في إفريقيا لا بد وأن يكون ''على المشتري أن يتوخى الحذر''.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project.syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية