الأحد, 18 أكتوبر 2026|6 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تجدر ملاحظة ما يمثله قانون التحكيم في المملكة من أهمية خاصة، حيث إنه لا يكاد يخلو أي عقد من عقود الاستثمار الكبيرة التي يشارك بها القطاع الخاص من داخل المملكة أو خارجها من النص على شرط تحكيمي لمعالجة المنازعات التي يمكن أن تنشأ عن ذلك العقد، بل إن ذلك متحقق في كثيرٍ من العقود التي تنظم العلاقة بين المملكة والدول الأخرى خاصة في المجال الاقتصادي كما هو حاصل أخيرا في اتفاقيات الربط الكهربائي لدول الخليج العربية.

وبالتالي يتضح أن هذا النظام ـــ بحد ذاته ـــ من شأنه أن يكون جالباً أو طارداً للاستثمار في أي بلد، ومما يؤكد ذلك أنه منذ صدور نظام التحكيم الحالي عام 1403هـ وصدور لائحته التنفيذية عام 1405هـ وإلى الآن كان هذا النظام محلاً للدراسة والمناقشة في العديد من المؤتمرات وورش العمل والاجتماعات على المستويات المحلية والإقليمية والعربية بل وحتى على المستوى العالمي.

لذا آثرت أن أولي مشروع نظام التحكيم الجديد في المملكة مزيداً من الاهتمام والدراسة مع الإشارة إلى بعض الوقفات، إلا أنه وعلى الرغم من جميع الملاحظات فإن هذا المشروع يُعد بحق نقلة نوعية لهذا النظام تُشكر عليها الجهات التشريعية التي أشرفت على إعداده.

الوقفة الأولى

(التفرقة بين التحكيم الداخلي والتحكيم الدولي):

أولاً: توضيح الأساس لهذا الموضوع من الناحية الفقهية القانونية:

إن الاستخدام الدولي لهذه التفرقة (وإن كان محدوداً) فإنه يراد منه تقليص درجة رقابة المحاكم على أحكام التحكيم التي تصدر على إقليم دولة تلك المحكمة. لذلك إذا كان التحكيم يتعلق «بنزاع تجاري دولي» وكان له عناصر ذات طبيعة أجنبية، كما هو موصوف في فقرات المادة الثالثة من هذا المشروع، فعلى المحاكم أن تعامل الحكم معاملة أكثر مرونة خاصة في الأحوال التي يوجد فيها مخالفة لبعض القواعد الآمرة في قانون (نظام) تلك الدولة، على أن لا تكون تلك القواعد مما يمكن اعتبارها من قواعد النظام العام. مثال ذلك، مخالفة بعض الإجراءات الشكلية كالتبليغات ومواعيد عقد الجلسات وغيرها.

أما إذا كانت جميع عناصر طبيعة النزاع ترتبط بدولة واحدة، مثل جنسية الأطراف ومكان إقامتهم، وموضوع النزاع، وجميع ما يتعلق بالعلاقة العقدية، فإنه ينطبق على تلك العلاقات صفة العلاقات الداخلية البحتة (أي غير الدولية)، وبالتالي يسري على تلك العلاقات القانونية ذات درجة الرقابة التي تفرضها المحاكم على القضايا المنظورة أمامها، من حيث وجوب احترام جميع القواعد القانونية الآمرة حتى وإن ضعفت درجة خطورتها أو درجة ارتباطها بالنظام العام.

وبعض التشريعات تستخدم هذه التفرقة دون فهم لحقيقة مغزاها، إذ إن التحكيم الدولي يختلف عن التحكيم الأجنبي الذي يتم خارج الدولة والذي يسمى «حكم التحكيم الأجنبي» وهو الناتج عن تحكيم يجري خارج إقليم الدولة، وهذا الأخير يخضع إلى قواعد وأنظمة قانونية مختلفة، مثل تطبيق الاتفاقيات الدولية كاتفاقية نيويورك أو غيرها من الاتفاقيات الإقليمية والثنائية. أما أحكام التحكيم الناتجة عن عملية تحكيم دولي فهي أحكام تحكيم تصدر على إقليم الدولة وليست أجنبية.

ثانياً: لابد من ذكر الأثر السلبي الذي يمكن أن يترتب عن هذه التفرقة، إذ يرتبط ذلك بما ورد في المادة (8) من مشروع النظام، حيث نصت على أنه في التحكيم التجاري الدولي تكون محكمة استئناف «مدينة الرياض» هي صاحبة الاختصاص حكماً. وقد يخلق ذلك تنازعاً قضائياً بين محاكم الاستئناف في المملكة. فقد يدعى طرف بأن التحكيم دوليَ وبالتالي تختص إحدى محاكم استئناف الرياض بالنظر في دعوى بطلان حكم التحكيم، ويدعي الطرف الآخر بأن التحكيم ليس بدوليَ وبالتالي فإن محكمة استئناف أخرى هي المختصة. وهنا سنحتاج إلى جهة ثالثة للفصل بهذا التنازع مما سيعطل إجراءات النظر في ذلك النوع من الطلبات.

وبهذا نخلص إلى أن الأولى عدم التفرقة بين التحكيم الداخلي والتحكيم الدولي في مشروع النظام.

الوقفة الثانية

أولاً: نص مشروع النظام على الآتي: «يكون الاختصاص بنظر دعوى بطلان حكم التحكيم والمسائل التي يحيلها هذا النظام للمحكمة المختصة معقوداً لمحكمة الاستئناف المختصة أصلاً بنظر النزاع» .

فإذا كانت محكمة الاستئناف هي المختصة بنظر دعوى بطلان حكم التحكيم وجميع المسائل التي يحيلها هذا النظام للمحكمة المختصة , فإنه يستوجب تعديل تعريف المحكمة المختصة في المادة الأولى من هذا المشروع بحيث تكون بالنص الآتي « هي محكمة الاستئناف المختصة أصلاً بالفصل في المنازعات التي اتفق على التحكيم فيها « .

وبالتالي لا داعي لإيراد هذه الفقرة في المشروع.

وإن كان المقصود انعقاد الاختصاص لمحكمة الاستئناف المختصة أصلاً بنظر النزاع فقط فيما يتصل بنظر دعوى بطلان حكم التحكيم، فإنه يتعين حذف عبارة « والمسائل التي يحيلها هذا النظام إلى المحكمة المختصة».

الخلاصة والتوصية: الأولى أن تكون محكمة الاستئناف صاحبة الولاية أصلاً (المختصة أصلاً) بنظر النزاع هي الجهة المختصة بكل ما يتعلق بموضوع التحكيم من حيث اعتماد وثيقة التحكيم و إصدار السند التنفيذي للأحكام والنظر في دعوى البطلان وغيرها من المسائل، وعليه يتم تعديل تعريف المحكمة المختصة الوارد في المادة الأولى وفقاً للتفصيل المذكور أعلاه وذلك للأسباب الآتية:

يتفق هذا مع الاتجاه الدولي الذي ينادي بمعاملة أحكام المحكمين معاملة (الدرجة القضائية الأولى)، وهو ما ذهب إليه عدد من القوانين منها قانون التحكيم الأردني ـــ على سبيل المثال ـــ حيث حصر الاختصاص بمحكمة الاستئناف التي يقع ضمن دائرة اختصاصها التحكيم، وقد اكتفى بذكر ذلك في شكل تعريف للمحكمة المختصة ضمن الأحكام العامة في المادة (2) منه.

أن حكم المحكم يفصل بشكل نهائي في العديد من المسائل مثل الفصل بوجود اتفاق التحكيم والفصل باختصاص هيئة التحكيم والفصل في العديد من المسائل الشكلية الأخرى.

يذهب الاتجاه الدولي إلى وصف الدول التي تُعامل أحكام التحكيم هذه المعاملة بأنها دول ذات مستوى متقدم في مجال التحكيم خاصة أن ذلك سيؤدي إلى ارتقاء درجة المحكمة المختصة بمسائل التحكيم وبالتالي زيادة خبرة ووعي القضاة المختصين بالنظر في الطلبات المتفرعة عن عملية التحكيم.

الوقفة الثالثة

أولاً: تم التعبير عن التحكيم بالصلح بعبارة « إذا اتفق أطراف التحكيم صراحة على تفويض هيئة التحكيم بالصلح ...... « ولم يتم من خلال هذه الفقرة شرح المقصود بتفويض هيئة التحكيم بالصلح كما لم يرد في مسودة النظام أي تعريف أو شرح لهذه العبارة، وهذا قد يؤدي إلى إشكال من حيث عدم تبين المقصود هل هو (التحكيم بالصلح) أم المقصود (الصلح) الذي بمعنى الوساطة والتوفيق، والفرق بين المصطلحين كبير، فالتحكيم بالصلح هو أحد أنواع التحكيم إلا أن المحكم لا يتقيد فيه بأحكام القانون الموضوعية المتعلقة بالنزاع ولا بأحكام العقد فبإمكان المحكم تأسيس الحكم وفقاً لما يختاره من أعراف وعادات وبالاستناد إلى مبادئ العدالة والإنصاف، في حين أن الصلح (أو الوساطة والتوفيق) له أحكام خاصة به وهو يختلف كلياً عن التحكيم وهو مبني على التنازل بين الطرفين ولا يكون ملزماً إلا بعد موافقة الطرفين على نتيجته وتوقيعهما على عقد الصلح، لذلك تختلف نتيجة التحكيم بالصلح عن الصلح، فالتحكيم بالصلح سينتج عنه حكم نهائي ملزم للطرفين وقابل للتنفيذ وفقاً لشروط تنفيذ أحكام التحكيم، أما الصلح فهو اتفاق لا يقبل التنفيذ وفق الوسائل التي تنفذ فيها الأحكام الـمُنهية للخصومة.

ثانياً: لذا نجد أن أكثر القوانين العربية قد عنيت بشرح المقصود من (التحكيم بالصلح) عند إيراد هذا المصطلح في قوانينها دون الاكتفاء فقط بالإشارة إلى الحكم بقواعد العدالة والإنصاف، ومن ذلك الآتي:

تقضي المادة (39/4) من القانون المصري بأنه « يجوز لهيئة التحكيم إذا اتفق طرفا التحكيم صراحة على تفويضها بالصلح أن تفصل في موضوع النزاع على مقتضى قواعد العدالة والإنصاف دون التقيد بأحكام القانون». ويماثل هذا النص المادة (39/3) من القانون العماني، والمادة (36/د) من القانون الأردني. وتقضي المادة (212/2) من القانون الإماراتي بأنه « يكون حكم المحكم على مقتضى قواعد القانون إلا إذا كان مفوضاً بالصلح فلا يتقيد بهذه القواعد عدا ما تعلق منها بالنظام العام». ويماثل هذا النص المادة (198) من القانون القطري. والقانون اللبناني لا يختلف كثيراً عن هذه الأحكام، وحسب المادة (777) من القانون اللبناني تعفى هيئة التحكيم في التحكيم المطلق من تطبيق قواعد القانون عموماً، وتحكم بمقتضى الإنصاف. وتقضي المادتان (521 وَ 522) من القانون السوري بأن هيئة التحكيم تصدر حكمها على مقتضى قواعد القانون، إلا إذا كانت مفوضة بالصلح فلا تتقيد بهذه القواعد. في المقابل نجد أن هذا المشروع قد أجاز التحكيم بالصلح دون بيان ما إذا كان المحكم في هذه الحالة مُعفى من التقيد بقواعد القانون أم لا، لذا من المناسب إضافة النص الآتي إلى نهاية الفقرة (2) من المادة (38): « ..... دون التقيد بالقواعد الموضوعية واجبة التطبيق عدا ما يتعلق منها بالنظام العام».

ثالثاً: (مسألة اشتراط الإجماع في التحكيم بالصلح)

هذا الشرط ـــ بوجه عام ـــ يعد شرطاً مستحدثاً لم يرد في القوانين التي سبقت قانون التحكيم السعودي، فهو لم يرد مثلاً في قانون التحكيم المصري أو الأردني أو القانون النموذجي الصادر عن لجنة التجارة الدولية التابعة للأمم المتحدة، وهذه فكرة مبتكرة تستحق أن يتم أخذها في الاعتبار خاصة أن التحكيم بالصلح له خصائص تميزه، حيث يحتاج إلى اتفاق خاص وصريح، وبالتالي قد يحتاج حكم التحكيم الصادر في التحكيم بالصلح إلى (الإجماع) وفقاً لما ورد في مشروع النظام هذا. إلا أن الإشكال يكمن فيما لو لم يتمكن المحكمون في هيئة التحكيم من التوصل إلى الإجماع، فما الحل في هذه الحالة ؟ فمشروع النظام لم يوضح الحل، لذا لابُدّ من معالجة النظام لهذه الحالة وبيان الحل عند عدم التوصل إلى الإجماع المطلوب أو التخلي عن هذا النص.

الوقفة الرابعة

(متى يتم قبول دعوى بطلان حكم التحكيم):

على الرغم من أن جميع الفقرات المذكورة في المادة المخصصة لبيان الحالات التي يتم فيها قبول دعوى بطلان حكم التحكيم هي مقبولة وتتفق مع الصياغة الدولية لما يعرف «بالقانون النموذجي»، ولكن هناك حالات إضافية نص عليها المشروع في هذه المادة 50 متبعاً بذلك القانون المصري الذي تعرض لكثير من الاعتراض بسبب ذلك. ومن أهم هذه الحالات هو ما ورد في الفقرة (1/ث) من المشروع التي نصها: «إذا استبعد حكم التحكيم تطبيق أي من القواعد النظامية التي اتفق أطراف التحكيم على تطبيقها على موضوع النزاع». كذلك ما وَرد في الفقرة (1/خ) التي نصها: «إذا لم تراع هيئة التحكيم الشروط الواجب توافرها في الحكم على نحو أثر في مضمونه، أو استند الحكم على إجراءات باطلة أثرت فيه».

إن الفقرة (ث) تفتح الباب على مصراعيه لتدخل المحكمة بمضمون الحكم وإعادة فحصه من خلال فحص القواعد النظامية التي اتبعها المحكم للوصول إلى النتيجة النهائية. كما أن هناك حالات قد تستدعي المحكم لاستبعاد القانون (النظام) الذي نص اتفاق الأطراف على تطبيقه وذلك إذا وجد أن الأطراف قد تعمدوا بذلك أن يتجنبوا تطبيق قواعد آمرة من قانون (نظام) هو أولى بالتطبيق بسبب ارتباطه الوثيق بموضوع النزاع. وهناك أسباب أخرى عديدة.

أما الفقرة (خ) فإنها تحمل حكماً عاماً ومبهماً. فما المقصود بالشروط الواجب توافرها في الحكم التي قد تؤثر في مضمونه؟ كذلك فإن بقية نص هذه الفقرة: «استند الحكم على إجراءات باطلة أثرت فيه» تعتبر تجاوزاً ومخالفةً للاتجاه الدولي الذي يحرص على التحديد الحصري للأسباب التي يمكن على أساسها تقديم دعوى بطلان حكم التحكيم. كما أن المادة (50) ذاتها قد حددت تلك الإجراءات الباطلة في الفقرات (1/ ت، ج) وإن ما يتجاوز ذلك من أسباب يمكن رده إلى الفقرة (2) من هذه المادة المتعلق بمخالفة النظام العام، وذلك فيما لو كانت تلك الإجراءات تتعلق بتحقيق العدالة والمساواة وهي من مبادئ حقوق الدفاع التي يكفلها النظام العام.

والله الموفق،،،

مستشار قانوني

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية