الأحد, 18 أكتوبر 2026|6 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إن الولايات المتحدة تعاني عجزا كبيرا في الميزانية، ومن المرجح أن يصل هذا العجز إلى 1.3 تريليون دولار (10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي) في هذا العام، والتوقعات في الأمد البعيد أكثر إثارة للانزعاج. وطبقا لمكتب الميزانية التابع للكونجرس (الذي يضم كبار الخبراء غير الحزبيين)، فإن تكاليف الضمان الاجتماعي، وبرنامج الرعاية الطبية، وبرنامج المساعدة الطبية، وغير ذلك من برامج الرعاية الصحية، ستنمو إلى أن تستهلك كل العائدات الضريبية تقريبا بحلول عام 2035.

والولايات المتحدة قادرة على تمويل هذا العجز في الأمد القريب ـــ الواقع أن أسعار الفائدة على سندات الخزانة الأمريكية هبطت أخيرا إلى مستويات قياسية. ولكن إذا لم تُبذَل جهود جادة للتعزيز الضريبي فهذا يعني المزيد من المشكلات الخطيرة في المستقبل، سواء بالنسبة لاقتصاد الولايات المتحدة أو الاقتصاد العالمي. وهذا يعني أن الولايات المتحدة في أشد الحاجة إلى البدء بإحداث أربعة تغييرات جادة.

الأول: الإصلاح الضريبي الشامل بهدف التوفيق بين السياسة الضريبية والحوافز الاقتصادية المرغوبة. ويتعين على الولايات المتحدة هنا أن تفكر في فرض ضريبة القيمة المضافة المستخدمة على نطاق واسع في غيرها من البلدان الصناعية. فبفرض ضريبة على الاستهلاك عند كل مرحلة من مراحل سلسلة الإنتاج المختلفة، ستتمكن أمريكا من الحد من الاستهلاك المفرط الذي ساعد على تغذية فقاعة الائتمان الأخيرة، فتشجع بذلك الادخار والاستثمار. لا شك أن ضريبة القيمة المضافة البسيطة تراجعية، وإن كان بوسعنا تحويلها إلى ضريبة تصاعدية من خلال الجمع بينها وبين خفض جزئي للضريبة أو إعفاء الضروريات.

ولكن يتعين على الولايات المتحدة فضلا عن ذلك أن تفكر جديا في الإعفاءات الضريبية التي تعمل كبرامج مستترة للإنفاق. وقد تكون البداية بخفض الضريبة على أقساط فوائد قروض الرهن العقاري السكني. والواقع أن هذا الخصم متاح حاليا بالنسبة للقروض التي تصل إلى مليون دولار، وهذا يشكل عنصرا رئيسا في الحوافز المفرطة التي تدفع الأمريكيين إلى شراء المساكن ـ وهي السياسة التي تتحاشاها أغلب البلدان الصناعية الأخرى.

والتغيير الثاني: تسعير الكربون، إما من خلال بيع مخصصات الانبعاثات أو بفرض ضريبة مباشرة على الكربون، بمعدلات تبدأ منخفضة ثم ترتفع على مدى العقود المقبلة. ونظرا للعائدات الضخمة المحتملة ـ طبقا لتقديرات مكتب الميزانية التابع للكونجرس في عام 2008، فإن اقتراحا واحدا قد يعود بنحو 145 مليار دولار في عام 2012 وأكثر من ذلك في الأعوام اللاحقة ـ فمن المنطقي أن يتم تخصيص جزء من العائدات لتخفيف التأثيرات المترتبة على ارتفاع أسعار الطاقة والتي يتحملها الفقراء، في حين يتم توظيف الباقي لتحقيق التوازن الضريبي.

يزعم المعارضون أن تسعير الكربون من شأنه أن يضر بالنمو الاقتصادي. ولكن إحدى الدراسات التي أجريت أخيرا بتكليف من مجلة The Economist، توصلت إلى أن ضريبة الكربون من شأنها أن تزيد كلا من العائدات الحكومية والناتج الاقتصادي ـ بحلولها في محل إعانات دعم الطاقة غير الفاعلة الحالية في المقام الأول.

والتغيير الثالث: فرض ضريبة على القطاع المالي، في هيئة ضريبة أنشطة مالية على الأرباح والتعويضات في البنوك الكبرى التي تتمتع بضمانات حكومية ضمنية. وطبقا لتقديرات صندوق النقد الدولي فإن هذا الشكل من أشكال ضريبة القيمة المضافة قد تبلغ عائداته ما يعادل نصف نقطة إلى نقطة مئوية كاملة من الناتج المحلي الإجمالي.

وهذه الضريبة ستستهدف فضلا عن ذلك إزالة ميزة التمويل التي تتميز بها البنوك الكبرى على منافسيها الأصغر حجما، في حين تعمل على تقييد الحافز الذي يجعل البنوك الضخمة تتجه نحو اكتساب المزيد من الحجم. وكما يؤكد صندوق النقد الدولي فإذا تم تطبيق ضريبة الأنشطة المالية في مختلف بلدان مجموعة العشرين فإن هذا لا بد أن يساعد على تقييد السمات الأسوأ التي تعيب النظام المالي والحد من تشوهات المنافسة التي تخلقها البنوك العملاقة.

وأخيرا هناك مسألة الإنفاق المستحق، وهي في الأساس قضية مرتبطة بتكاليف الرعاية الصحية. وطبقا للسيناريو الضريبي البديل الذي وضعه مكتب الميزانية التابع للكونجرس، فإن نمو الضمان الاجتماعي سيكون متواضعا نسبيا، من 4.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2010 إلى 6.2 في المائة في عام 2035. وأي تغيير بسيط نسبيا في معالم هذا البرنامج قد يؤدي إلى خفض التكاليف في المستقبل، كما حدث في ثمانينيات القرن الـ 20. ولكن في الوقت نفسه، سوف تتضاعف التكاليف النسبية لبرامج الرعاية الصحية والمساعدات الطبية وغيرها من برامج الرعاية الصحية، من 4.5 في المائة إلى 10.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وهناك طريقتان للحد من الإنفاق الحكومي في مجال الرعاية الصحية: خفض كمية الرعاية الصحية التي تشتريها الحكومة، أو خفض تكاليف الرعاية الصحية. والحل الأبسط هنا يتلخص في تفويض الحكومة بشراء رعاية صحية أقل ـ من خلال رفع سن التأهل للحصول على الرعاية الصحية، ووضح حد أقصى للفوائد التي يحصل عليها المستفيدون من ذوي الدخول المرتفعة، وما إلى ذلك.

والمشكلة في هذا التوجه هي أن الرعاية الصحية ليست سخية بشكل خاص في المقام الأول. وإذا تم رفع سن التأهل، فإن المسؤولية عن الرعاية الصحية بالنسبة للعديد من الناس ستلقى ببساطة على عاتق أصحاب العمل، الأمر الذي يعني ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية بالنسبة لجميع الفئات العاملة. والحل الأفضل هنا يتلخص في التوصل إلى الكيفية التي يمكن بها الحد من تكاليف الرعاية الصحية.

والواقع أن تشريع إصلاح الرعاية الصحية الصادر في هذا العام، أو قانون إتاحة الرعاية الصحية بأسعار معقولة، يشكل نقطة انطلاق جيدة. وطبقا لبيانات مكتب الميزانية التابع للكونجرسCBO data، فإن قانون إتاحة الرعاية الصحية بأسعار معقولة من شأنه أن يقلص من العجز المالي في الأمد البعيد بمقدار نقطتين مئويتين من الناتج المحلي الإجمالي سنويا. وهنا لا بد أن تكون الأولوية القصوى للحفاظ على البنود الخاصة بخفض التكاليف في هذا التشريع وتوسيع مجالها.

ومن بين الخطوات الأخرى الواضحة التي يتعين علينا أن نضعها في الحسبان، الإلغاء التدريجي للاستبعاد الضريبي لخطط الرعاية الصحية التي يكفلها أصحاب العمل، ولن يؤدي هذا إلى زيادة العائدات فحسب، بل سيعمل أيضا على إنهاء التأثيرات المشوهة الناتجة عن دعم أصحاب العمل للرعاية الصحية.

بيد أن الجهود المبذولة للتعامل مع تكاليف الرعاية الصحية تظل واقعة تحت رحمة العراقيل الناجمة عن العزوف عن تناول القضايا الحساسة. والواقع أن إعادة صياغة نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، على النحو الذي يوجهه نحو التركيز على النتائج الناجحة ونوعية الحياة بدلا من التركيز على توظيف أحدث التكنولوجيات وأكثرها تكلفة، تشكل في حد ذاتها تحديا لم يتقدم أحد حتى الآن بحل أكيد له، رغم أنه يظل يشكل، أكثر من أي عنصر آخر، المفتاح إلى تحقيق الاستقرار المالي في الأمد البعيد.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية