الاثنين, 19 أكتوبر 2026|7 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

من المفيد حقا أن تكون قضية الديون الحكومية (السيادية) ضمن نطاق البحث لإيجاد حلول قانونية وإجرائية وحتى تشريعية لها، ولا سيما بعد أن أصبحت عنوانا رئيسا من عناوين الأزمة الاقتصادية العالمية, بل لنقل، فصلا قاسيا من فصول الأزمة. ومن المفيد أكثر أن تكون هذه الحلول في صلب هيكلية الإصلاح الاقتصادي العالمي (الذي لا يعرف أحد حتى الآن زمن اكتماله)، لأن ازدياد عدد الدول المَدينة وارتفاع ديونها بصورة تاريخية ــ فلكية، نقل القضية من مرحلة "الظواهر الفردية" إلى مرحلة الحقائق المريعة. فعندما تمثل الديون نسبة من حجم الناتج المحلي للدول المَدينة، تكون أمام مشكلة، وعندما تفوق حجم الناتج نفسه، تواجه كارثة .. بل تقع فيها، وعندما تفقد هذه الدول آليات السداد، يكون البلاء بعينه.

المشكلة التي تواجه الذين يسعون إلى وضع قانون جديد لتنظيم الديون الحكومية، ولاستعادة عملية وواقعية لهذه الديون، أن الدول ليست كـ "الموجودات" أو العقارات أو الممتلكات الخاصة, فهي في النهاية وقبل كل شيء سيادة حصلت على توصيفها من وجود شعوبها. وما كان ينطبق في السابق على بلد كمصر تحت الانتداب في القرن الـ 19، فيما يرتبط بديونها الهائلة الناجمة عن حفر قناة السويس، لا ينطبق على أي دولة في القرن الـ 21, فلا يمكن إرسال الجيوش لاحتلال بلد وتشغيله لحساب الغازين من أجل سداد الديون. لقد كان ذلك في زمن، كان الأقوياء يحتلون البلدان، لا كي تسدد ديونها، بل كي تسهم في تسديد الديون المستحقة على المُحتلين أنفسهم.

الباحثون عن حلول لهذه القضية الخطيرة لا يريدون بالتأكيد التوصل إليها وفق سيناريوهات فرنسا وبريطانيا في القرن الـ 19، ولا يفكرون ــ بالتأكيد ــ في استخدام الجيوش. فهم يعرفون أن الأوقات تتغير، وما كان يصلح بالأمس لا يستقيم اليوم. عليهم أن يؤسسوا لثقافة اقتصادية عالمية جديدة، لكنها حساسة، تأخذ في الحسبان المشاعر الوطنية ومعها الكرامة. فليس أمامهم سوى التعاطي المباشر بإعادة جدولة الديون. لا حل آخر أمامهم، لكن ينبغي أن يكون المس بسيادة الدول المَدينة، في أقل مستوى له، وفي أعلى احترام لهذه السيادة. فهذا النوع من الديون يخص الشعوب لا الأفراد. وما يقبله فرد خسر منزله أو سيارته أو حتى أرضه، لعجزه عن تسديد أقساطه الشهرية، لا يقبله شعب خسر أمواله ومقدراته الوطنية بسبب حكومات عاجزة وفاشلة، ومن جراء جشع سياسي للاقتراض المالي بصرف النظر عن تبعات هذا الاقتراض ومصائبه المؤكدة.

وإعادة جدولة الديون بآليات مستندة إلى معايير الكرامة الوطنية، يجب ألا تترك مجالا للحكومات لالتقاط الأنفاس, فالحكومات التي تسعى إلى البقاء أطول فترة ممكنة في الحكم، لن تتردد في الاقتراض والمناورة في التسديد، لتأمين أطول استدامة لها في السلطة. كما أن أي حلول ناجعة في هذا المجال لن تكون كذلك إذا لم تتضمن ضوابط وقائية من الديون المستقبلية، لأن الحل يجب أن يكون متكاملا، يتعاطى بحزم مع ما جرى، وفي الوقت نفسه، يضمن عدم استمرار سياسات الديون الفوضوية. ويمكن أن تكون مشكلة الديون الحكومية اليونانية، بمثابة "بروفة" لأولئك الساعين إلى الحلول الواقعية، خصوصاً أن ألمانيا الدولة الأكثر إنقاذا ماليا لليونان، تشهد حراكا قويا في هذا المجال. فقد عرفت ــ أي ألمانيا ــ أن الإهانات التي تخصصت في توجيهها لليونان، لا يمكن أن تسدد يورو واحدا من الديون, فالذي سيوفر الحلول العقلانية لهذا الفصل من الأزمة الاقتصادية العالمية، هو استكمال الإصلاح الاقتصادي العالمي، على أن يشمل كل القطاعات، وفي مقدمتها الديون الحكومية التي نزعت كثيرا من سيادة بلدانها، وأن يشمل بصفة خاصة فوضى الاقتراض، التي كانت "وليدة" شرعية لفوضى الاقتصاد.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية