ازدادت في الآونة الأخيرة حدة النزاع التايلاندي ــــ الكمبودي حول معبد برياه فايهير التابع للخمير, وذلك بعد أن تقدمت كمبوديا لمنظمة التربية والعلوم والثقافة ممثلة في لجنة التراث العالمي التابعة للأمم المتحدة, بخطة لتطوير المنطقة المتنازع عليها بمساحة 4.6 كم مربع المتاخمة للمعبد المثير للجدل. وكانت محكمة العدل الدولية قد حكمت في عام 1962 بأن المعبد تابع لكمبوديا, لكن القوميين التايلانديين بقيادة حلف الشعب من أجل الديمقراطية ذي القمصان الصفراء أدعوا أن تايلاند يمكن أن تخسر المنطقة المحيطة لمصلحة كمبوديا إذا تم قبول الخطة من قبل ''اليونسكو''، ولا سيما أن ترسيم الحدود بين البلدين لم يكتمل.
ومرة أخرى أثار هذا الادعاء المشاعر الوطنية في تايلاند بقوة. ومن الواضح أن حكومة أبهيسيت قررت أن تضم صوتها إلى صوت ائتلاف الشعب من أجل الديمقراطية بهدف كسب نقاط سياسية عبر صياغة سياسية متعصبة تجاه كمبوديا, وتمخض ذلك عن زيادة توتر العلاقات بين البلدين.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، ضغط القوميون التايلانديون على حكومة أبهيسيت فيجاجيفا لاتخاذ تدابير صارمة ضد التعدي المفترض على المنطقة المتنازع عليها، بما في ذلك استخدام القوة. وذكرت وسائل الإعلام التايلاندية المحلية في وقت لاحق أن أبهيسيت وافق على الخيار العسكري. وفي رد سريع على ذلك، بعث رئيس وزراء كمبوديا هو سين بتاريخ 8 آب (أغسطس) برسالة شكوى إلى الأمم المتحدة حول تهديدات تايلاند باستخدام القوة.
وادعى هون سين أنه ينبغي عليه أن يحمي سيادة بلده من العدوان التايلندي ـــ وهو أيضاً نوع من التعصب. وفي الرسالة التي وجهها إلى رئيس مجلس الأمن الدولي قال هو سين: ''عبر تهديدها الجدي باستخدام القوة العسكرية ضد كمبوديا لتسوية مشكلة الحدود، فإن تايلاند تنتهك بشكل صارخ المادة 2/3 و2/4 من ميثاق الأمم المتحدة .. وفي وجه هذا التهديد الخطير باستخدام القوات المسلحة ضد كمبوديا لتسوية مشكلة ترسيم الحدود، فإنني أطالب (مجلس الأمن الدولي) بتوزيع هذا الخطاب على جميع أعضائه''.
من الواضح أن كمبوديا تبنت استراتيجية ذكية في الاستعانة بالأمم المتحدة, ففي النهاية، فإن هذا البلد هو المالك الحق للمعبد. مع الإشارة إلى أن هذا النزاع مستمر منذ بضعة أعوام، وصورت كمبوديا فيه نفسها كضحية للخلافات الداخلية التايلندية، الأمر الذي فيه بعض الحقيقة.
سيترتب على تايلاند أن تشرح موقفها للأمم المتحدة في الأيام القليلة المقبلة. ومن المرجح أن توجه بانكوك اتهاماً إلى بنوم بنه بالاعتداء على أراضيها. ستكون هذه لعبة ثأرية لا نهاية لها. والجانب السلبي فيها هو أنه سيكون لها تأثير كبير في العلاقات الثنائية بين البلدين، وهي علاقات تقوم على عدم الثقة والشك المتبادل. ومن المؤكد أن تعمل الإجراءات التي لجأ إليها البلدان، كما يقرأ مما حدث في عطلة نهاية الأسبوع، على تعميق كراهيتهما بعضهما لبعض.
ويبدو أن كلا من تايلاند وكمبوديا تلعبان ثانية بنار القومية. وفي السياق الجنوب شرق آسيوي، فإن القومية في حد ذاتها تجل غير عقلاني يغطي على بشاعة السياسة المحلية. وقد تم استخدامها لتبرير سياسة الدولة حتى على حساب دفع البلد إلى النزاع مع جيرانه.
ينبغي أولاً أن تتم معالجة هذا النزاع ضمن الإطار الثنائي, لكن يبدو أن هذا أمر مستحيل, لأن كلا الجانبين غير مستعدين للحديث إلى بعضهما. وحقيقة لجوء كمبوديا إلى الأمم المتحدة تعني أنها تأمل في تدويل الوضع وفي إحراج تايلاند فعلاً أمام المجتمع الدولي.
وإذا كانت كمبوديا وتايلاند ترغبان حقاً في حل نزاعهما على صعيد متعدد الأطراف، فينبغي عليهما اللجوء إلى منظمة بلدان جنوب شرق آسيا (آسيان) التي هما عضوان فيها, خاصة أنه يوجد لدى هذه المنظمة الإقليمية آلية لحل النزاعات.
ففي ندوة عقدت أخيرا في بانكوك، سألت المؤرخة التايلاندية موراكوت جيواشندا مييَر: ''في ضوء روح الإقليمية التي تتشكل تحت راية آسيان، هل ينبغي علينا أن نتبع درس الاتحاد الأوروبي بتحويل التراث الوطني إلى تراث أوروبي عام كي نجني معاً الرخاء الاقتصادي والثقافي العابر للحدود، كما تعمل ألمانيا وبولندا على سبيل المثال؟''.
وأضافت أن ''اليونسكو'' قامت بتاريخ 2 تموز (يوليو) 2004 بإضافة حديقة موسكاو إلى قائمة التراث العالمي، وذلك كمثال نموذجي للتعاون الثقافي العابر للحدود بين بولندا وألمانيا. وتغطي تلك الحديقة المصممة على الطراز الإنجليزي أرضاً مساحتها 3.5 كم مربع في بولندا و2.1 كم مربع في ألمانيا''. هل بإمكاننا مشاهدة هذا يحدث في آسيان؟ إن آسيان ليس لديها حتى الآن موقف واضح للارتقاء بالتراث الوطني إلى مشروع إقليمي للتعاون الثقافي المتبادل،'' كما قالت موراكوت.
إلى جانب تشجيع التعاون الثقافي المتبادل، فإن بإمكان تايلاند وكمبوديا أيضاً أن تنتهزا هذه الفرصة لإعادة تأكيد رغبتهما وثقتهما بالآليات الإقليمية، خاصة في توظيفها لتخفيف حدة التوتر فيما بينهما.
وتستطيع آسيان, التي كثيراً ما تنتقد باعتبارها مجرد منبر خطابي, أن تحول دون أن ينظر إليها كأضحوكة في عيون المجتمع الدولي إذا سمحت الدول الأعضاء لهذه المنظمة الإقليمية بلعب دورها الصحيح والمشروع، خاصة في تسوية النزاعات. وأخيراً، ليس هناك من ضرورة إلى طلب المساعدة من الأمم المتحدة إذا كانت تايلاند وكمبوديا تثقان حقاً بآسيان وترغبان حقاً في تسوية خلافهما.
وإلا، فقد تكون الحقيقة أن آسيان، التي التزمت بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء منذ تأسيسها، تدرك تمام الإدراك أن النزاع حول معبد برياه فايهير هو ببساطة من صنع السياسة الداخلية التايلاندية ـــ الكمبودية.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: OpinionAsia
