الثلاثاء, 20 أكتوبر 2026|8 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

لا خلاف تقريباً على أن الخلل في التوازن العالمي في التجارة وتدفقات رأس المال كان مسؤولاً ولو جزئياً على الأقل عن الأزمة المالية وما تلاها من الركود, الذي زعزع أركان الاقتصاد العالمي منذ عام 2008. بيد أن أشكال الخلل في التوازن لا تتساوى، لذا فمن الأهمية بمكان أن نزِن تأثير العواقب التي تخلفها الحسابات الخارجية لكل بلد على حِدة على استقرار وازدهار الاقتصاد العالمي.

والواقع أن القصة التقليدية للأزمة ليست خافية على أحد, فقد أدى ارتفاع أسعار المساكن إلى تغذية الاستهلاك الشخصي في الولايات المتحدة في مطلع العقد الأول من القرن الـ 21، على الرغم من النمو الفاتر للأجور. وإلى جانب عجز الموازنة الأمريكية المتزايد أصبح عجز الحساب الجاري الأمريكي ــــ الذي كان ضخماً بالفعل ــــ مستفحلاً، وقابل ذلك فوائض خارجية متضخمة في الصين، وفي البلدان المنتجة للنفط مثل الإمارات، مع تصاعد أسعار النفط.

وفي الوقت عينه بدت أوروبا متوازنة بدرجة مدهشة ــــ ظاهرياً على الأقل ــــ سواء كنا نتحدث عن بلدان الاتحاد الأوروبي الـ 27 أو بلدان منطقة اليورو الـ 16. وفي حين بلغ العجز في الحساب الجاري في الولايات المتحدة 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فإن بلدان الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو نادراً ما كانت تعاني عجزا ـــ أو فائضا ـــ يتجاوز 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

لكن في العام الماضي بات من الواضح تماماً أن كل هذا كان مجرد وهم, فتحت السطح، كان الخلل الضخم في التوازن يتراكم، الأمر الذي أسفر عن ازدهار في سوق العقارات قائم على الاستدانة في محيط منطقة اليورو. وتراوح الفائض في ألمانيا وهولندا ما بين 7 في المائة 9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فتوازن بذلك الحساب الجاري لمنطقة اليورو بالكامل. لكن بحلول عام 2006 بدأت بلدان مثل البرتغال وإسبانيا واليونان بتسجيل عجز في الحساب الجاري بلغ 9 في المائة أو أكثر من الناتج المحلي الإجمالي.

إن العلاقة بين الصين والولايات المتحدة أشبه بتلك العلاقة بين شركة متخصصة في بيع السلع بالبريد وبين عميل ليس لديه سيولة كافية, فالبلد الأكثر اكتظاظاً بالسكان على مستوى العالم تشكل الدائن الأجنبي الأضخم لحكومة الولايات المتحدة والمؤسسات التي ترعاها الحكومة مثل ''فاني ماي'' و''فريدي ماك''. والواقع أن القسم الأعظم من الاحتياطيات الرسمية من النقد الأجنبي لدى الصين، التي تجاوزت 2.5 تريليون دولار أمريكي، التي تراكمت بفعل الفوائض في الحساب الجاري وتدفقات رأس المال، يستثمر في سندات مقومة بالدولار.

ويزعم بعض المعلقين أن ألمانيا تلعب في منطقة اليورو الدور نفسه الذي تلعبه الصين في ''صيميركا''، المصطلح الذي ابتدعه نيال فيرجسون وموريتز شولاريك لوصف العلاقات الاقتصادية والتجارية التكافلية بين الصين والولايات المتحدة. وإذا ركزنا على جانب الحساب الجاري فقط من ميزان المدفوعات، فقد يبدو الأمر على هذا النحو. ففي عام 2007، ومع بلوغ الفائض الخارجي لدى ألمانيا 7.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، كان الفائض الثنائي الأضخم الذي تسجله مع الولايات المتحدة (29.5 مليار يورو)، ثم إسبانيا، ثم فرنسا، ثم المملكة المتحدة، ثم إيطاليا. وكان أضخم عجز ثنائي تسجله ألمانيا (21.2 مليار يورو) مع الصين، ثم مع النرويج، ثم إيرلندا، ثم اليابان.

بيد أن ألمانيا لم تكدس الاحتياطيات الأجنبية على النحو شبيه بما تفعله الصين, بل إن الأمر على العكس من ذلك تماما، حيث سجلت الاحتياطيات الأجنبية الألمانية في واقع الأمر انحداراً أثناء الفترة 2000 ـــ 2008. وفي حين أن الصين تُعَد متلقية صافية من الاستثمار المباشر الأجنبي، فإن ألمانيا تُعَد مصدرة صافية للاستثمار المباشر الأجنبي. فقد بلغ مجموع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الصين نحو 94 مليار دولار أمريكي في عام 2008، مقارنة بصافي تصدير ألمانيا للاستثمار المباشر الأجنبي الذي بلغ 110 مليارات دولار.

والواقع أن صافي الاستثمار المباشر الأجنبي يشكل نحو ثلث حساب رأس المال الألماني, وأكثر من نصف هذه الاستثمارات يذهب إلى بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي، في حين يذهب 30 في المائة منه إلى الولايات المتحدة. وطبقاً للبنك المركزي الألماني، فإن الاستثمار المباشر الأجنبي الألماني يمثل ما يقرب من ستة ملايين وظيفة في الخارج. ولا يشتمل هذا الرقم على الوظائف الإضافية الناتجة عن زيادة النشاط الاقتصادي في المنطقة.

وهذا يعني أن الفائض الألماني أقل ضرراً من الفوائض الصينية، وذلك لأنها تستخدم في استثمارات تعمل على تعزيز مكاسب الإنتاجية، والنمو الاقتصادي، وخلق الوظائف ـــ ويشتمل هذا في كثير من الأحيان على نقل التكنولوجيا الذي يساعد على تنمية رأس المال البشري.

أما الفائض الصيني في المقابل، الذي ينحرف بشكل كبير نحو سندات الحكومة الأمريكية، فإنه يعمل في المقام الأول على تعزيز الاستهلاك الشخصي ــ وهي العملية التي بلغت ذروتها في أوائل العقد الأول من القرن الـ 21، بعد أن تسببت التخفيضات الضريبية التي أقرتها إدارة بوش، إلى جانب إعادة تمويل المساكن وقروض أسهم الإسكان، في تحويل الديون السيادية الأمريكي إلى ائتمان استهلاكي. وبطبيعة الحال، عمل الطلب المتولد عن الائتمان الصيني أيضاً على تعزيز النمو الاقتصادي، لكن في الصين في الأغلب، وذلك بسبب ازدهار الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة.

ومع بلوغ القسم الأعظم من سكانها الذين ولِدوا أثناء فترة ازدهار المواليد سن التقاعد في غضون العقد المقبل، فإن ألمانيا لديها حافز مبرر للادخار. وفي ضوء قوة العمل المتقلصة في البلاد، وارتفاع نسبة رأس المال إلى العمالة، فمن المفهوم أيضاً ألا يرى المستثمرون الألمان العديد من فرص الاستثمار المحلي، وأن يختاروا الاستثمار في الخارج بالتالي.

لا شك أنه لأمر مؤسف أن البنوك وصناديق التقاعد الألمانية أقرضت عدداً من البلدان المثقلة بالديون مثل إسبانيا واليونان والبرتغال بشروط مبالغ في يسرها، الأمر الذي أدى إلى تضخم فقاعات الأصول التي كانت لا بد أن تنفجر في النهاية. وكما هي الحال مع أي دائن يتخذ قراراً استثمارياً غير حكيم، فإن البنوك وصناديق التقاعد الألمانية لا بد أن تدفع الثمن.

ورغم ذلك فإن الاختلافات بين الصين وألمانيا أعظم كثيراً من أوجه التشابه ـــ ويتجلي ذلك في كيفية استخدام البلدين الفوائض المتراكمة لديهما. والواقع أن تجميع كل بلدان الفائض معاً ـــ أو كل بلدان العجز ـــ في سلة واحدة لن يساعدنا على التوصل إلى سبيل لإعادة التوازن للاقتصاد العالمي.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية