يثير مصير الديمقراطية المتنافس عليها بقوة في تايلاند شبح حكم متسلط ناشئ في جنوب شرق آسيا. وإذا أخفقت الديمقراطية في تايلاند، حيث ينتهي بها الأمر تحت حكم نظام بالغ التسلط والقسوة، ومتمسك بتوجهه العسكري السابق، فإن نفحة جديدة من التسلط ستمسك بجنوب شرقي آسيا لتشمل كذلك ماينمار، ولاوس، وكمبوديا، وفيتنام.
إن في هذا التمرد المتمثل في الحكم الاستبدادي مضامين متعددة تتماشى مع المصالح الصينية التي تأتي على حساب الخيارات القائمة أمام الديمقراطيات الليبرالية، وقواها الرئيسة، والمتوسطة، مثل الولايات المتحدة، واليابان، وأستراليا، وبعض الدول الأخرى.
من المؤكد أن الديمقراطية في تايلاند، حتى حين كانت تمر بفترة من الانتعاش، لم تكن تتصف بتعددية ديمقراطية حقيقية. وكان قوس تطور العملية الديمقراطية في تايلاند متعرجا في مسيرته، حيث تضمنت هذه المسيرة 18 انقلابا ناجحا، أو غير ناجح، إضافة إلى عدد من الدساتير خلال 78 عاما من الزمن. وقد شهدت فترة السبعينيات أوقاتا من انتعاش الديمقراطية على نحو متقطع، كما كانت هناك انتفاضة طلابية كبرى ضد الحكم العسكري المستبد في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1973، إضافة إلى رد فعل عنيف للغاية من قبل الجهات اليمينية بعد ذلك بثلاث سنوات.
أما خلال الفترة الأقرب، فقد شهد العقد التالي لأيار (مايو) من عام 1992، حيث قادت الطبقة الوسطى احتجاجات ومظاهرات أدت إلى سقوط نظام الحكم العسكري المستبد، فترات من ممارسة الديمقراطية الليبرالية، إذ ابتعد الجيش التايلاندي عن الحكم، وهو الأمر الذي أدى إلى انتعاش الحقوق، والحريات في هذا البلد الآسيوي. وقد منحت الحركة النشيطة على صعيد منظمات المجتمع المدني، وكذلك الوفاق الوطني الذي تعزز بعد عام 1992، دفعة قوية ''لميثاق الشعب'' الذي تجسد في دستور البلاد الذي تم إعلانه عام 1997.
غير أن هذا التحرك الإيجابي على صعيد الممارسة الديمقراطية في البلاد أصابه التآكل لدى بروز ثاكسين شيناواترا، وحزبه ثاي راك ثاي. وبينما أصبحت قوته السياسية متخندقة، ولا يمكن إيقافها، مارَس ذلك النظام أشكالا مختلفة من التسلط بعد فوز ذلك الحزب في الانتخابات. وأدت تلك الممارسات العنيفة من جانب النظام الحاكم إلى زرع بذور الانقلاب العسكري الذي أطاح به في أيلول (سبتمبر) من عام 2006. وكانت هنالك تعددية غير ليبرالية في شكل الديمقراطية الذي ساد أثناء ذلك الحكم، حيث اتسمت الأوضاع بغياب حكم القانون. وعلى الرغم من أن ذلك النظام انتهك كثيرا من بنود دستور عام 1997، إلا أنه راعى الكثير من جوانب اللعبة الديمقراطية التي كانت سائدة في البلاد خلال تلك الحقبة الزمنية.
لقد شهدت الديمقراطية في أعقاب الانقلاب، الذي أطاح بذلك النظام، التخلي عن الكثير من حالات الممارسة الفعلية، كما تم تناسي عديد من تطلعاتها وطموحاتها. وتم تصميم دستور عام 2007، الذي صاغته لجنة عسكرية خاصة لتحقيق أهداف، تبيَّن أن من أبرزها الإبقاء على ضعف مؤسسات الديمقراطية في تايلاند، حيث تضمن هذا الدستور وجود مجلس للشيوخ يتم انتخاب نصف أعضائه، كما منح تفويضات واسعة للقضاة لحل الأحزاب السياسية، ومنع سياسيين من المشاركة في الحكم، إضافة إلى أنه يحوّل السلطات بعيدا عن السلطة التنفيذية المدنية، ويحد من حرية القضاء في اتخاذ أحكامه، وقراراته.
بذلك جرى حل عدد كبير من الأحزاب السياسية خلال الفترة من 2007 ـــ 2008، كما تم حظر النشاطات السياسية لما يصل إلى 220 من السياسيين لفترة خمس سنوات.
الواقع هو أن الجيش التايلاندي استفاد من نتائج انقلابه، وكذلك من الدستور الذي صاغته لجنة عسكرية خاصة، حيث نجح من خلال ذلك في جعل دوره في البلاد، والممارسة السياسية مؤسسيا. وقد اتخذ مواقف إلى جانب أطراف معينة في الانتخابات التي شهدتها البلاد في كانون الأول (ديسمبر) من عام 2007، وذلك في حالات عدة، مثل تلك الحالة التي دعا فيها رئيس أركان الجيش إلى استقالة رئيس الوزراء، وذلك على شاشة التلفزيون الوطني في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2008. وكانت ثكنات الجيش هي مكان ولادة الحكومة التي تدعمها القوات المسلحة، التي تم تشكيلها برئاسة أبيهيزيت فيجاجيفا. وتحرك الجيش بقوة لقمع تظاهرات ذوي القمصان الحمر في نيسان (أبريل) من عام 2009، ومرة أخرى في أيار (مايو) من عام 2010. وكان المتظاهرون يطالبون باستقالة الحكومة، وإجراء انتخابات عامة.
لقد أصبحت ميزانية الجيش، والأمور المتعلقة بتسليحه، ومشترياته المتعددة، وعمليات الترقية الداخلية في صفوفه، وما يسوده من حالات فساد، بعيدة تماما عن المراقبة المدنية. وعادت قوى كانت نشيطة أيام الحرب الباردة، مثل قيادة عمليات الأمن الداخلي، إلى ممارسة أعمالها بكل قوة، وذلك لقمع أي نشاط ضد الحكومة، وبالذات من جانب أصحاب القمصان الحمر. ونشأت قوى عدة في البلاد للدفاع عن مصالح الشركات، وكذلك لاستمرار الوقوف في وجه الحركات الرافضة للحكومة الحالية، مثل ذوي القمصان الحمر.
استطاع الجيش، والحكومة الحالية، إقامة الكثير من الروابط المشتركة بينهما خلال السنوات القليلة الماضية. وتعتمد الحكومة على القوات المسلحة لمقاومة ذوي القمصان الحمر، والمحافظة على القانون والنظام تحت أحكام مرسوم الطوارئ المطبقة في قلب مناطق أصحاب تلك القمصان، بينما يستفيد الجيش من وجود هذه الحكومة الموالية له كواجهة لحكم مدني ديمقراطي في هذا البلد الآسيوي. ويمكن اعتبار مركز حلول حالات الطوارئ، الأداة القمعية التي يستخدمها رئيس الوزراء والجيش للقضاء على أي نوع من المعارضة في البلاد، وهكذا فإن هناك سلالة جديدة من الحكام المستبدين في تايلاند، حيث لا يقودها بوضوح جنرالات النجوم الأربعة، وإنما حكومة مدنية ذات توافق كامل مع الجيش الذي تنسجم تطلعاته في السياسة والحكم مع هذه الحكومة، كما أنه يدعمها بقوة خلف الكواليس.
هكذا نجد أن الديمقراطية التايلاندية الناشئة في البلاد تواجه مسارا شاقا خلال الأشهر القليلة المقبلة. وإذا تحرك أصحاب القمصان الحمر مرة أخرى، وأثبتوا أن لديهم قوة كبيرة، فسيظهر المزيد من الممارسات الاستبدادية بوجود يد أقوى للقوات المسلحة، وحيث لا يمكن استبعاد هذه الصورة. وإذا خسر التحالف الذي يقوده الحزب الديمقراطي الانتخابات المقبلة المقرر إجراؤها في كانون الأول (ديسمبر) من عام 2011، فإن السلطات العسكرية ستتقدم لكي تملأ الفراغ، وتعود مجددا كقوة مركزية مسيطرة. وفي الحالتين يمكن أن نتوقع بروز مزيد من التسلط، وقليل من الديمقراطية في المستقبل المنظور في تايلاند، ما لم يحدث تحول رئيس يغير من اتجاهات التصويت في تلك الانتخابات.
إن الإسقاطات الديمقراطية في تايلاند ليست بالأمور غير المعتادة لدى جيرانها حين يتعلق الأمر بالحكم المستبد. ورغم الانتخابات المخطط لها في ماينمار في نهاية العام الحالي، فإن أفضل التوقعات يشير إلى تخلي الجيش بصورة طفيفة عن بعض سلطاته ضمن عملية تجميلية للإبقاء على نظام الحكم القائم. ويضاف إلى ذلك أن الأوضاع في لاوس، وفي فيتنام لا تختلف كثيرا عن ذلك، حيث هناك حرص على تناول قطعة الحلوى والاحتفاظ بها في الوقت ذاته، إذ يحاول نظاما الحكم الحصول على الشرعية المحلية من خلال التنمية الاقتصادية. وستسعى هذه الأنظمة بوسائل متعددة للحصول على الشرعية الدولية، حيث يمكنها أن تفعل ذلك. وإن مصدر القوة الرئيسة في كل ذلك هو الصين التي كانت الدولة الأولى في الاعتراف بنظام حكم الانقلاب العسكري في تايلاند، على سبيل المثال. ولا شك أن النظام القائم على الطريقة الصينية المتمثلة في الحكم المركزي القوي، والنمو الاقتصادي المتسارع، له بعض المزايا، وبالتالي فإنه يمثل حالة إغراء للأنظمة المستبدة في هذه المنطقة، وفي أجزاء أخرى من العالم ككل.
هكذا نجد أن الأزمة السياسية في تايلاند، التي لا تزال مستمرة منذ خمس سنوات، تعتبر ساحة معركة للصراع العقائدي والجيوبوليتيكي بين القوى المتنافسة، وأنظمة الحكم المتعددة. وإذا كانت القوى الديمقراطية الليبرالية واعية تماما بالمخاطر الأوسع نطاقا التي تحيق بالديمقراطية الناشئة في تايلاند، فإن عليها أن تعيد حساباتها المتعلقة بحشد تحالف قواها لإعادة إطلاق نشاطها. وأما الصين، فإنها من خلال وسائلها الخفية، تسعى إلى إقامة علاقات مع طرفي النزاع في تايلاند.
