الأمير نايف بن عبد العزيز، رجل هاجسه الأمن، أمضى الجانب الأكبر من عمره السياسي، وهو يشكل السياج الأمني الكبير لهذا الوطن، ما وفر لهذه البلاد المترامية الأطراف أهم عناصر تنميتها وحضارتها، غير أنه مع كل هذا لم يتعامل مع الأمن بمفهومه العسكري المجرد، وإنما اشتغل عليه بمفهومه الأشمل الذي يمتد من الأمن النفسي إلى الأمن الفكري والأخلاقي والغذائي والاقتصادي، وكل ما ينضوي تحت هذه المنظومة المتكاملة التي تشكل في النهاية الأمن بمعناه العام، وليصنع لبلاده بالنتيجة السياج الأكثر متانة، والأقدر على بناء بيئة استقرار لا تختلف في متانتها فيافي الربع الخالي أو صحراء النفود عن أحد شوارع العاصمة وميادينها، حتى حققت المملكة أعلى المراتب الدولية في بيئة الاستثمار استنادا لهذه الحقيقة التي شكلت أهم عناصر الاستقطاب.
والأمن العقلي وصيانة طاقة الشباب من آفة المخدرات من أهم الميادين التي تصدى لها سموه الكريم للحفاظ على عماد الأمة ومستقبلها في شبابها، ورغم كل الجهود التي تبذلها الدولة في مواجهة هذه الحرب القذرة، ونجاحاتها في ضبط كثير من المهربات إلا أن انتشارها عالميا، والإغراء المادي في الداخل الوطني جعل منها القضية الأخطر، وهو ما أشار إليه سموه خلال ترؤسه الاجتماع الثاني للجلسة الثانية للجنة الوطنية لمكافحة المخدرات في مدينة جدة، حيث أكد سموه ضرورة اعتماد الدراسات والبحوث العلمية في مواجهة هذه المشكلة بغية بناء استراتيجية وطنية تعتمد على الإحصائيات والقراءات الموضوعية والعلمية للحيلولة دون تغلغل بعض المؤثرات العقلية للداخل السعودي، وبقدر ما أشاد سموه برجال الجمارك ووعيهم في مواجهة المهربين، وبرنامج الدكتور ناصر الرشيد للوقاية من المخدرات، ومعالجة الإدمان .. بقدر ما أهاب بالأسر ومنابر المساجد للتوعية بالمخاطر المحدقة التي تتربص بأبنائنا جراء أطماع البعض في الإثراء من خلال تدمير أبناء الوطن بالتهريب والترويج، وحث سموه الكريم على تبني خطة إعلامية مدروسة تزيد من جرعة الوعي الاجتماعي بإيضاح نسب الجرائم المفزعة التي تنجم غالبا عن التعاطي، كما شكر كل الشركاء الذين يسهمون في دعم جهود الوزارة للتصدي لهذا الوباء القاتل، وطالب بإنشاء المستشفيات في مختلف المناطق لاستقبال تلك الحالات، وعلاج المدمنين، غير أن اللافت في كل هذه الاستعدادات الكبرى هو توجيه سموه ببناء الأندية الرياضية في الأحياء لشغل أوقات الشباب بممارسة الرياضة، وهي رؤية تعكس بكثير من المسؤولية مدى اتساع الأفق الوطني في مواجهة المخدرات، والتعامل معها على كل المستويات، حيث لا تكون الغاية تصيد المهربين والمروجين وحسب، وإنما إلى جانب هذا إشغال وقت الشباب بما ينفعهم، ويبني أجسادهم مقابل مساحة الفراغ التي قد تقودهم ـــ لا سمح الله ـــ للوقوع في براثن أولئك المفسدين في الأرض.
والذي يتأمل هذا التوجه الذي تناوله سمو النائب الثاني في حديثه ابتداء من اعتماد الدراسات العلمية، ومرورا بتشجيع القطاع الخاص على المشاركة في حملات التصدي وعلاج الإدمان كبرنامج الدكتور الرشيد، وبرنامج عبد اللطيف جميل وغيرهما من البرامج الوطنية .. وصولا إلى الاهتمام بعلاج الإدمان، وبناء الأندية الرياضية في الأحياء .. يجد أن الوطن يتحرك كله في عدة مستويات لمحاصرة هذا الوباء، لسد كل المنافذ على المتاجرين بأغلى ثرواتنا، وقطع الطريق عليهم لاستثمار الوفرة المادية، لذلك يجب أن تتضافر كل الجهود، كل من موقعه لإنجاح هذه الاستراتيجية التي بدأت تظهر ملامحها بشكل كامل، وعبر متوالية من الخطط والبرامج التي يقودها سموه الكريم للقضاء على هذه الآفة، وتطهير الوطن من آثارها ونتائجها.
