السبت, 17 أكتوبر 2026|5 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تكرست الهموم المناخية العالمية في مؤتمر كوبنهاجن للتغير المناخي الذي عُقد في كانون الأول (ديسمبر) من عام 2009، وبقيت على حالها! جاءت الوفود الهائلة (عدداً وعديداً) من 192 دولة إلى العاصمة الدنماركية، ورحلت دون أن تُلطف هماً واحداً من هذه الهموم، لدرجة أن تحول المؤتمر إلى مادة للسخرية، حتى من بعض أولئك الذين شاركوا فيه.

الاحتباس الحراري Global warming أو التغير المناخي، أو ارتفاع درجة حرارة الأرض (لا فرق في التسمية)، لم يعد قضية قابلة للتأجيل أو حتى الخلاف، ولعلها القضية الوحيدة في هذا العالم، التي لا ينفع معها التسييس ولا المناورات السياسية. إنها قضية معيشية، اقتصادية، إنسانية، تخص الكبار والصغار، ولا يمكن أن تُحل، إلا وفق معاييرها الحقيقية وتوصيفها الواقعي. ولعل الوباء الأكبر الذي أصاب هذه القضية، هو تبادل الاتهامات بين البلدان (ولا سيما الكبرى منها)، حول الملوِث الأكبر والملوِث الأقل، وقبل هذا وذاك، الخلافات حول دور كل دولة في الحل، بل لنقل الحلول. والأسوأ من هذا أن بعض البلدان الكبرى، توجه اتهاماتها لدول ومجتمعات صغيرة في هذا العالم، بتلويثها للبيئة. لكن غاب عن الكبار، ما قاله الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران في قمة الأرض الأولى التي عُقدت في ريو دي جانيرو البرازيلية عام 1992: ''لا يمكن أن نُحمل امرأة تقطع شجرة من أجل نار لطعام أسرتها، إذا ما فشلنا في توفير الوقود لها''.

لقد ثبت إحصائياً وبصورة مريعة، أن الاحتباس الحراري يودي بحياة 150 ألف شخص سنوياً. وماذا يسبب وسيسبب أيضاً؟ انقراض 20 في المائة من الأنواع الحية البرية مع حلول عام 2050، بينما سترتفع نسبة هذه الأنواع المنقرضة في عام 2080 إلى الثلث! ومع حلول العام المذكور، ستتساوى الخسائر المالية من الاحتباس الحراري، مع حجم الناتج الوطني في العالم أجمع، مع الإشارة إلى أن كل عقد من الزمن يكون أكثر حرارة من العقد الذي سبقه، وعلينا أن نتخيل ارتفاع درجات الحرارة على مدى خمسة عقود مقبلة! وارتفاع حرارة الأرض درجة مئوية واحدة فقط، يؤدي إلى زيادة في مياه البحار والمحيطات، الأمر الذي يكلف الكثير. وذوبان جليد القطب الشمالي ـــ على سبيل المثال ـــ سيكلف العالم ما يقرب من 24 تريليون دولار أمريكي قبل حلول عام 2050. ماذا يعني هذا؟ أن كل فرد في هذا العالم سيتحمل التكاليف. أي أن ذوبان القطب الشمالي يعني ببساطة ذوبان الأصول العالمية!

الأمريكيون (الملوثون الكبار) لا يزالون يتعاركون فيما بينهم حول كيفية قيام الولايات المتحدة بواجبها الأخلاقي في هذه المسألة. فالقضية أصبحت سياسية بين الجمهوريين الذين يريدون أن يلوثوا دون التزامات وتكاليف مستحقة، وبين الديمقراطيين الذين يسعون إلى تفاهم عالمي قبل فوات مزيد من الأوان. وإذا ما أخذنا بآراء الخبراء المتفائلين بهذا الصدد، فإن ''هذا الأوان'' لن يتجاوز عام 2015، أي أن أمام العالم أربع سنوات فقط لتفادي الانهيار البيئي والمناخي وحتى الأخلاقي. وإذا لم تخرج القضية من الحسابات الحزبية في الولايات المتحدة، والسياسية والمصالح الآنية الضيقة للدول الكبرى الأخرى، فلا اتهامات تنفع، ولا عتب يجدي، ولا حسرة تفيد. لأن الخسائر الناجمة عن هذا السلوك السياسي، ستكون أكبر من المكاسب التي يأملون أن يجنوها منه. والأمر لا يحتاج إلى عباقرة لحساب الربح والخسارة. فما يتم توفيره الآن، سيذوب مع ذوبان الجبال الجليدية، وسيتبخر مع تبخر مياه الشرب.

إن المسألة بيئية.. أخلاقية.. معيشية تواجه المستقبل. لم تكن سياسية تقوم على المصالح، ولن تكون.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية