إنها من نوع العلاقات المتفاعلة، تلك التي تجمع المملكة والصين. علاقات تتعدى ''الرتابة'' البروتوكولية، وتتجاوز النمطية الجامدة. وقد أظهرت هذه العلاقات أن الزمن ليس بالضرورة العامل الوحيد الذي يكفل روابط متطورة ومتنامية بين طرفين (دولتين)، وأن ما يمكن أن يتحقق في 100 عام يمكن أن يتحقق في 20 عاما، إذا كانت العوامل المطلوبة متوافرة، والإرادة السياسية حاضرة، تضاف إلى ذلك المكانة التي تحتلها الدولتان، ليس في إقليمهما فحسب، بل على الساحة الدولية ككل. هذه المكانة وفرت لكلا الطرفين الأدوات الفاعلة والناضجة والدور المؤثر في أوقات الازدهار العالمي، وتعززت في أزمنة المحن العالمية. هذه المعطيات تختصر الزمان، ولا سيما عندما يكون هناك سباق معه، وتساعد على تكريس دور الطرفين في صناعة القرار العالمي، خصوصاً عندما تفقد القوى التقليدية الكبرى بعضاً ــ ليس قليلاً ــ من أدوات صنع هذا القرار.
20 عاماً من العلاقات المتنامية والواقعية بين السعودية والصين، كانت مملوءة بالإنجازات وعامرة بالتحولات التاريخية، التي عززت حقيقة أن هاتين الدولتين تمثلان جزءاً أصيلاً من الحراك العالمي الكبير. ولأنها تسير وفق منهج استراتيجي واقعي (لا وهمي)، فقد رصت أرضية صلبة لمصالح متناغمة، لا تُنتِج إلا رخاء وازدهاراً لكلا الشعبين, فالعلاقات المتوازنة (على عكس العلاقات المضطربة، وهي ليست قليلة في هذا العالم)، المصدر المستدام لكل أشكال الرخاء والتنمية، وهي القوة الآمنة، التي تقدم الأدوات اللازمة لإزالة ما قد يظهر من عقبات في طريق تحقيق الأهداف التي أقيمت من أجلها.
لقد بدأت العلاقات بين الرياض وبكين دبلوماسية، لكنها لم تتوقف عند هذا المستوى, وانطلقت بروتوكولية، إلا أنها تجاوزتها إلى الاستراتيجية. كانت بدايتها قبل 20 عاماً مجرد انطلاق نحو آفاق لا تخص البلدين فقط، بل ترتبط بالحراك السياسي والاقتصادي العالمي. فعندما يكون الطرفان كبيرين، لا يكون تأثيرهما محصوراً، بل مفتوحاً. ولا يكون حراكهما مُقيداً، بل حراً ومؤثراً. ولأن ''مصنع العالم'' التقليدي الذي أُقيم بموروثات نتائج الحرب العالمية الثانية، ''نفد'' إنتاجه، بعد أن تسبب في مجموعة من المصائب العالمية على مدى 70 عاماً تقريباً، تشكل السعودية والصين الآن ''مصنع العالم'' الجديد، الذي يأخذ في الاعتبار في خط إنتاجه، المتغيرات العالمية، إلى جانب الحقائق التي أفرزتها الأزمة الاقتصادية العالمية، ولا سيما تجريد القوى التقليدية الكبرى من بعض أسلحتها التقليدية، وفي مقدمتها مفاتيح صنع القرار الاقتصادي، الذي كان يؤثر سياسياً واجتماعياً في العالم أجمع. وكان يحيى بن عبد الكريم الزيد سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الصين مُحقاً حين قال: ''في الوقت الذي تعد فيه الصين اليوم مصنع العالم، فإن المملكة تعد مزود مصانع العالم بالطاقة''. يضاف إلى ذلك أن السعودية والصين هما في قلب صنع القرار الاقتصادي، ليس فقط من حيث مكانتهما الدولية، بل أيضاً من خلال عضويتهما في مجموعة العشرين، التي أخذت زمام المبادرة بصورة قوية في أعقاب الأزمة العالمية. هاتان العضويتان توفران التوازن المطلوب، في زمن انقلبت فيه التوازنات الاقتصادية وعمت فيه الفوضى وتشتتت المعايير. القرارات الدولية التي كانت ( في أغلبيتها) تتم ''بالتمرير''، لا مكان لها اليوم، و''أندية النخبة'' التقليدية استُبدلت بنادٍ يزيل التوجس العالمي، ويكرس ''الإشراك'' كعامل مهم لتفادي الكوارث، ولا سيما الاقتصادية منها.
إنه نادٍ واقعي ومؤثر، ما كان ليستحق هذا التوصيف، لو لا وجود دول كالمملكة والصين فيه، وما كان ليحظى بدور تاريخي، لو لا حراك دولتين، تمسكان بأدوات إنتاج متجددة، وتتمتعان برؤى تأخذ في الاعتبار ما هو موجود، لا ما هو وهمي.
