كانت الوسطية، وستظل العنوان الأسمى لهذا الدين العظيم, الذي ختم به المولى ـــ عز وجل ـــ رسالاته السماوية، ''وجعلناكم أمة وسطا''، والوسط هو منطقة الاعتدال, التي لا يستقيم من دونها مكيال ولا ميزان، لذلك هي موضع العدالة، وموضع رمانة الميزان التي تعادل بين الكفتين، كفة الانزياح إلى الغلو في الإفراط، أو كفة الانزياح إلى الغلو في التفريط، وما تاهت هذه الأمة ولا فقدت بوصلة هدايتها إلا عندما تجاوزت هذه المنطقة الوسط، سواء إلى اليمين أو إلى اليسار.
وفي الوسط تحتشد دوما كل قدرات وقيم التسامح والرفق واللين والمحبة والخلق القويم، وتلتئم فيه كل معاني الأمن والهدوء والسكينة، لأنها دائما المنطقة الأبعد والأكثر نأياً عن العنف والأذى والعضل والقهر والجور والإجبار.
بهذا المعنى الذي أراده الله ـــ سبحانه ـــ لهذه الأمة، لتكون خير أمة أخرجت للناس، حققت أمة الإسلام في أبهى مراحل تاريخها، حينما كان هادي البشرية وصحابته الأخيار والتابعون والسلف الصالح هم من يقود دفة الأمور فيها .. أغنى وأغلى أمجادها التي جعلت منها أضخم حضارة لا تغيب عنها الشمس، حملت للإنسانية جمعاء شعلة الحضارة المستنيرة بسمو الإسلام وسماحته النقية، وسطوع حجته، ولم يصبها الوهن والضعف والشقاق والاستكانة إلا عندما أوغر الحماس الديني نفوس بعض أبنائها، بعضهم بدافع الولاء والبراء والتشدد في فهمه على أنه المحبة المطلقة أو الكره المطلق، والبعض الآخر لاهتبال فرصة الإفادة منه لبلوغ أهداف أخرى لا صلة لها به، فاختطفوه إما إلى ناصية الغلو تزيدا وتشددا، وإما إلى دهاليز العنف تخريبا وتدميرا، كل وفق ما في سريرته، لكن يأبى الله إلا أن يتم نوره، لأن كلمة الله هي العليا، ولأن ثمة مَن سخره الله في هذه الأمة من أجل أن ينافح عن هذه الوسطية حماية للدين وصونا لمقدساته وكرامة أهله.
فضيلة الشيخ عبد العزيز بن أحمد الحميدي الأستاذ المساعد في قسم العقيدة وأصول الدين في جامعة أم القرى, قدّم يوم الجمعة من خلال برنامج ''همومنا'' الذي تبثه القناة الأولى في التلفزيون السعودي .. قدّم حديثا رائعا عن مفهوم الولاء والبراء في الإسلام، رافضا فكرة الإطلاق في المحبة والكره، واستشهد بكثير من المواقف الثابتة في كتب الصحاح والسير عن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وصحابته، مؤكدا أن المحبة قد لا تكون دائما في الدين مصداقا لقوله تعالى: ''إنك لا تهدي من أحببت''، في إشارة إلى أبي طالب، وهو ليس مسلما، ولا يمكن أن تكون محبة الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ له إلا محبة قربى، كما أشار فضيلته إلى مواقف الرسول الأعظم من المعاهدات, سواء المعاهدات المحددة بزمن كصلح الحديبية, الذي تم لعشر سنوات, أو غيره من المعاهدات المفتوحة كمعاهداته ــ صلى الله عليه وسلم ــ مع يهود بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة، التي لم تنتقض إلا بنقضهم لها، أو معاهدته مع مجوس هجر, التي استمرت إلى عهد عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه، وبيّن فضيلته أن لولي الأمر وحماية للمسلمين ولأوطانهم أن يوقع المعاهدات مع غير المسلمين متى ما رأى أن في ذلك مصلحة، كالمعاهدات من أجل محاربة المخدرات وغسل الأموال والاتجار بالبشر أو مواجهة الأمراض السارية، أو غيرها من المعاهدات والاتفاقيات التجارية والاقتصادية، مما يتحقق به نفع المسلمين. وساق فضيلته كثيرا من الشواهد الإسلامية في زمن الحرب والسلم, كما روى قصة المعاهدة التي وقعها الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف مع رأس الكفر وعدو الله وأكثر من آذى رسوله أمية بن خلف على أن يحمي صاغته في مكة مقابل أن يحمي ابن عوف صاغته في المدينة، وهي معاهدة تجارية، وكيف أن أمية بن خلف رفض أن يوقع عبد الرحمن بن عوف باسمه الإسلامي فبدل توقيعه إلى اسمه قبل الإسلام (عبد عمرو بن عوف)، وعندما وقعت معركة بدر كيف حاول الصحابي عبد الرحمن بن عوف إنقاذ أمية بن خلف من بلال رغم أن معاهدتهما معاهدة تجارية، وهو مَن هو في أصحاب رسول الله وأحد العشرة المبشرين بالجنة. لكنه الفهم الواعي لقيمة المعاهدات سواء في حال الضعف أو القوة واحترام الإسلام لها، ومقابلة الإساءة بالإحسان كتعبير عن سماحة ديننا وصلاحيته لكل زمان ومكان.
