بينما تغادر البعثة البريطانية نيودلهي هذا الأسبوع، وجه معلقون الثناء على حقبة جديدة من العلاقات المكثفة، والمعززة بين المملكة المتحدة والهند. غير أن السؤال القائم بهذا الشأن هو عن مدى وجود التقييمات المتبادلة إزاء وجهات النظر هذه. وبينما تحدث رئيس وزراء المملكة المتحدة عن وجود ''حقبة جديدة من العلاقات المميزة''، فإن الأمر بالنسبة إلى الجانب الهندي هو مجرد تحسن يطرأ على علاقة ثنائية، ويضاف إلى أكثر من 20 شراكة أو علاقة استراتيجية أخرى.
كانت العلاقات التجارية بين البلدين هي الجانب الذي حصل على الثناء من قبل المسؤولين البريطانيين، حيث ضم وفد رئيس وزراء بريطانيا في هذه الزيارة إلى الهند أكبر عدد من المسؤولين يزور الهند منذ ابتعاد الهند عن مجال النفوذ البريطاني في خمسينيات القرن الماضي. والأكثر من ذلك أن تباطؤ النمو الاقتصادي البريطاني، وتسارع النمو الاقتصادي الهندي، عملا على تعقيد مهمة دافيد كاميرون بخصوص تحقيق مزيد من التقارب في علاقات البلدين. ولم تعد بريطانيا تنظر إلى الهند كمجرد مركز لاستقبال المنتجات البريطانية، حيث إن النمو المستمر للطبقة الوسطى الهندية غير كثيراً من هذه النظرة. وتريد بريطانيا في الوقت الراهن أن تؤمن الشركات البريطانية المصدرة موطئ قدم لها في الهند التي يزيد عدد أفراد طبقتها الوسطى على 300 مليون شخص، كما أن قطاع مبيعات التجزئة فيها سيتضاعف كل ثلاث، أو أربع سنوات.
لقد استطاعت الشركات البريطانية، وكذلك البنوك، وعدد من الشركات الأخرى المنتجة للهواتف الجوالة، وناشرو الكتب، توقيع عدد كبير من الاتفاقيات مع نظيراتها في الهند خلال فصل الصيف الحالي. ويتضمن ذلك مشاريع ستكون مفيدة لشبكة الجيل الرابع من الهواتف في الهند، كما تسمح لمزيد من البنوك الهندية بالعمل في لندن، وتكثيف التعاون في مجال إنتاج الطاقة الكهربائية باستخدام المواد النووية، إضافة إلى التعاون في مجال التكنولوجيا الحيوية. وجرى كذلك التوقيع على صفقات لإنشاء البنية التحتية في الهند، وتنفيذ عدد من المشاريع الهندسية.
الواقع أن المسؤولين البريطانيين يرون أن مشاريع البنية التحتية هي الأهم على صعيد الاستثمار. ويمثل كل ذلك مجالات واسعة يستفيد منها الطرفان، في الوقت الذي تشتري فيه شركات هندية شركات بريطانية (استحوذت شركة تاتا الهندية على شركة كوروس البريطانية بمبلغ 12 مليار دولار في عام 2007 على سبيل المثال، وبالتالي أصبحت هذه الشركة الهندية صاحب أعمال يولد الوظائف في بريطانيا. وكذلك استحوذت فودافون على شركة هشنسون بمبلغ 11 مليار دولار خلال العام ذاته).
تبين قاعدة التعامل هذه أن الاقتصاد يهيمن على المشهد الجديد في العلاقات بين الجانبين. وهكذا فإن هذه الصفقات تعزز العلاقات التي تلائم ''الشراكات الهندية القائمة''، كتلك التي أبرمت بين BAE، ''ورولزرويس''، من جانب، و''هندوسثان أيرونوتكس'' لإنتاج 57 طائرة نفاثة من طراز هوك، وكذلك إجراء مناورات جوية مشتركة، والتدريب على عمليات مكافحة القرصنة. وتصبح هذه الترتيبات أشد أهمية حين ينظر إليها في ظل استمرار التعاون المعلوماتي الأمني بين الطرفين. وهنالك اتصالات للتعاون في إدارة مناسبات مهمة مثل ألعاب الكمنولث المقبلة في نيودلهي، والألعاب الأولمبية في لندن في عام 2012. وإن هذه الاتفاقيات عوامل دعم لما تحقق بين البلدين خلال الأعوام الخمسة الماضية، ولا سيما عبر القمم المتعددة بين زعامات البلدين، وإقامة النشاطات العملية في ظل التعاون المشترك.
ما الذي يجعل هذا المستوى الجديد من التعاون أمراً مميزاً، بينما يبدو أن الاتفاقيات الجديدة قائمة على أسس متينة للشراكة الاستراتيجية؟ من المؤكد أن هناك أرضية مشتركة واسعة لتنامي التعاون بين نيودلهي ولندن، ولا سيما أن المملكة المتحدة تطالب بأن تتمتع الهند بحق الفيتو في مجلس الأمن الدولي.
على الرغم من التركة الثقيلة التي خلفتها فترة الاستعمار البريطاني للهند، وآلام تقسيم هذا البلد، ما زالت هناك تركات ثقافية متبادلة من حيث تقاسم البلدين لغة تعامل واحدة، وكذلك تشابه الأطر القانونية والتشريعية بينهما، ووجود أكثر من مليوني بريطاني من أصول هندية. ولذلك نرى أن الاتفاقيات الجديدة قائمة على قيم مشتركة، وتاريخ مشترك، وبالتالي فإن هناك فرصاً واضحة لمزيد من التعاون المستقبلي بين البلدين.
من المعترف به أن هنالك مجالات واسعة للاختلاف، حتى بين أقرب الأصدقاء. ويجب أن ننظر إلى الاتفاقيات الجديدة في هذا الإطار من التفكير. وهناك حالة من التميز بالفعل على صعيد إقامة مثل هذه العلاقات، إذ إن الحكومة البريطانية ترى أن عوامل بروز هذه ''العلاقة الخاصة'' واضحة تماماً.
ليس من السهل في الوقت الراهن التمييز الدقيق بين هذه المرحلة من العلاقات الناشئة سريعاً بين البلدين، وتلك الاتفاقيات المختلفة التي أبرمتها الهند مع عدد آخر من دول العالم في هذه المرحلة من التوسع على صعيد هذه العلاقات.
بينما نجد أن هناك مجالات للتوسع في مختلف المجالات، لا تزال العلاقات التجارية أبعد من أن تكون استثنائية بالمقارنة بعلاقات الهند مع الصين، أو مع الاتحاد الأوروبي ككل. ورغم كثير من الأمور المشتركة بين البلدين، فإن العلاقات التجارية لم تصل بعد إلى هذه الجوانب العميقة من الإرث المشترك. ونجد على سبيل المثال أن مبيعات الأسلحة الروسية للهند لا تزال تحتل الصدارة.
قد يكون إصلاح المؤسسات الداخلية في الهند يمر بمرحلة حرجة، إذ إن ذلك مهم في تطوير علاقات البلدين من الجانب الاستراتيجي، وكذلك هذا النوع من العلاقات الخاصة للغاية. وترى المملكة المتحدة أن نجاح تطوير المؤسسات الداخلية في الهند شرط بالغ الأهمية لتوسيع آفاق التبادل التجاري بين البلدين. وبينما يتزايد النفوذ الاقتصادي للهند على النطاق العالمي، فإنه يبدو أن مزيداً من البلدان، والمناطق، سيفتح أبوابه ترحيباً بذلك. ويمتد مثل هذا النوع من الترحيب من دول مجموعة العشرين حتى دول الآسيان، الأمر الذي يعكس الضرورة العالمية للتعامل مع الهند. ويتبقى أمامنا أن نعرف ما إذا كانت علاقات لندن ونيودلهي معتمدة على بعضها بعضا، وبالتالي محققة للدعم الذاتي المفترض، أم أنها تظل بحاجة إلى دعم من نوع خاص.
إن هذا الأمور تجعل وجهات النظر حول تطور أطر العلاقات الجديدة أمراً في غاية الحيوية، والأهمية. ويلاحظ أن تحركات التودد البريطانية دعت إلى تحول كامل على مستوى العلاقات مع الهند. ويرى المسؤولون الهنود أن التطورات الجديدة في هذه العلاقات هي مجرد جوانب في توسيع الهند مجمل علاقاتها الاستراتيجية مع مختلف دول العالم.
يفيد هذا الاختلاف في النظرة إلى الأمور أن تطوير علاقات البلدين يمثل تطلعاً أكبر لدى الحكومة البريطانية، مما هو لدى الحكومة الهندية. وتظهر الحكومة البريطانية الآن بمظهر الجهة التي تحاول الإبقاء على مركزها على الصعيد الدولي، بينما تظهر الهند كجهة تكتسب مزيدا من النفوذ والقوة على صعيد نظام العلاقات بين دول العالم.
تفسر هذه الملاحظة كذلك سبب الانتقادات الشديدة التي وجهها رئيس وزراء المملكة المتحدة، دافيد كاميرون، إلى باكستان فيما يتعلق بدعم الإرهاب. كما أن ذلك يمكن أن يساعد على إظهار أن العلاقات بين الهند، وبريطانيا يمكن أن تصبح أكثر عمقاً، وأعلى جدية، إضافة إلى أنها تقوم على مزيد من الفهم المشترك. وبينما يقدر المسؤولون في نيودلهي مثل هذه البيانات، فإن طريقة استقبال رئيس وزراء المملكة المتحدة كبار المسؤولين الباكستانيين خلال زيارتهم إلى العاصمة البريطانية ستكشف عن مدى جدية، ورصانة هذا النوع من بيانات التقارب مع الهند، والتودد إليها.
لا شك في أن التغييرات الحديثة في موازين القوى العالمية تؤدي إلى مزيد من التعددية، ومزيد من الاستقطاب في العلاقات بين دول العالم. وإن الكرة الآن في الملعب الهندي في اختيار الشركاء الذين تتعامل معهم على المسرح الدولي في ظل النظام العالمي الجديد، وإلى أي مدى يكون ذلك، بينما تبرز المملكة المتحدة في دور الطرف المتودد في ظل وضوح متزايد لأهمية المكاسب الاقتصادية، والدبلوماسية في علاقات الطرفين.
إن التطور الإيجابي على صعيد هذه العلاقات أمر مفيد للطرفين في الحاضر، وفي المستقبل كذلك، وعلى المملكة المتحدة أن تثبت على الدوام صدقية توجهها فيما يتعلق باستمرار دعم علاقاتها مع الهند. ويلاحظ هنا أن العلاقة القائمة المتميزة بين كل من المملكة المتحدة، والولايات المتحدة جاءت بعد أن كان البلدان طرفاً واحداً في نزاع عالمي كبير، وبعد أن تراجع النفوذ البريطاني على نحو واضح إثر الحرب العالمية الثانية، وما تبعها من تقسيم جديد لإرث الدول المشاركة فيها. وبينما يكتسب القرن الآسيوي مزيداً من القوة، فإن فرصة جديدة لنشوء علاقة مميزة أخرى (بين الهند وبريطانيا) يمكن أن تبرز مرة أخرى.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: OpinionAsia
