السبت, 17 أكتوبر 2026|5 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يدعو الدكتور صلاح الراشد في موقعه على الإنترنت إلى التعلم: ''كيف نجذب ما نشاء من الأقدار إلينا''؟! سؤال مستفز حقيقة، لكنه إيجابي لما يحمل في طياته من دعوة إلى جذب الأقدار التي تتوافق مع منهج التفاؤل الذي بينه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الشريفة، التي ليس أولها: ''إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريءٍ ما نوى''، وليس آخرها حديثه، صلى الله عليه وسلم عندما زار الأعرابي الذي كان يشتكي من الحمى، حين قال له: ''طهور إن شاء الله''، فرد الأعرابي: ''طهور! بل حُمَّى تفورُ على شيخِ كبير تصليه القبور''، فأجابه صلى الله عليه وسلم: ''هي إذن ..'' ومات الأعرابي، وهنا مكمن الفرس مما جاء .. ساء ظن الأعرابي بحاله فمات! إذن! علينا أن نتأمل ''قانون الظن الإيجابي'' هذا، الذي يدعو إلى جذب ما نشاء من الأقدار إلى حظيرة الإيجابية، بإذن الله، ولنتفاءل، بخاصة في خضم التشاؤم المستعر الذي يلف القرية الكونية على سائر المستويات رغماً عن أنوف ساكنيها!

وتجد في موقع الدكتور صلاح الكثير من الأدلة التي تدور حول هذا القانون/ الظن.. إذ تجد أناسا تحدث لهم كوارث ومصائب، وآخرين يعيشون في سلام، كذلك هناك فاشلون وناجحون، ومن هؤلاء من هو سعيد ومنهم أيضاً من هو شقي، فأين أنا أو أنت من كل ذلك؟ يقول رب العزة والجلالة في حديث قدسي: ''أنا عند ظن عبدي بي''، ولم يقل جلّ وعلا: ''أنا عند (حُسن) ظن عبدي بي''، فما الفرق؟ الفرق هو أن تتوقع حياةً ناجحة، وتفكر في ذلك على الدوام ولا تدع للوسواس مكاناً في حياتك، وأنت موقن أن الله سيعطيك ذلك، ''فعلى نياتكم تُرزقون''، فهذا من حُسن الظن بالله. وإذا كنت تعاني الوسواس الدائم وتفكر أنه ستصيبك مصائب، وحياتك كلها مآسٍ وهمّ ونكد، فتأكد أنك ستعيش كذلك، إذ انطلق تفكيرك هنا، من حيث دريت أو لم تدر، من سوء الظن بالله! وربما انطلقت معتقداً بأنك خارق للعادة بـ ''الحاسة السادسة'' فتقول: ''والله إني شعرت بأن مصيبة ستقع على رأسي''! فهذا يدخل ضمن: ''الظانين بالله ظن السوء، عليهم دائرة السوء''! فلماذا لا ننطلق من أن الله كريم، بيده الخير، فحُسن الظن بالله من حُسن توحيد المرء لله، فالخير من الله والشر ليس إليه سبحانه، بل هو من عند أنفسنا! أعرف أناسا يتمرغون في تعاسة من صُنع أيديهم! جاري، يعاني أرقا مزمنا، فتبين أنه يعاني ''الفوبيا من الموت خلال النوم''، فالوسواس تمكن منه! صديق يقول: إن ''نجمه خفيف ويُصاب بالعين''! وكثيراً ما يمرض فيسارع إلى طلب الرقية، ليكتشف فيما بعد أنه مصاب بوسواس قهري اتجاه العين والحسد!

وفي قضية مقتل فنانة لفت انتباهي إجابة أحدهم بقوله: ''كانت دائما تشعر بأنه سيحدث لها مكروه''! إذاً كانت تظن بالله ظن السوء، ربما بفعل معاصيها، فدارت عليها دائرة السوء! عوضاً عن التوبة والاستغفار والتمسك بالتفاؤل بالخير، فالتفاؤل هو نفسه ''حُسن الظن''.

وقد يكون المخترع السعودي الشاب مهند جبريل أبو دية، أحد أروع الأمثلة في حُسن الظن بالله، فعلى الرغم مما أصيب به إلا أنني حين شاهدته في أحد البرامج التلفزيونية وهو يبتسم، مُحسن الظن بربه، متفاءل، عالي الطموح، مصمم على إكمال تعليمه، ويحمد الله أنه لا يزال حياً، وإن كان لا يرى ولا يسير على قدميه، لكنه يستطيع أكثر من أي شخص آخر صحيح أن يتعمق في لطف الله وفي حياة المعاقين المثابرين!

علينا أن نُحسن الظن بالله، وأن نكون موقنين بالإجابة حين ندعوه، وإذا رأينا أحمق فلا نقل: ''الله لا يبلانا''، إذ إن البلاء من أنفسنا، بل فلنقل: ''الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا''، ولا نقل ''اللهم لا تجعلنا حُساداً''، بل لنقل: ''اللهم انزع الحسد من قلوبنا..'' وهكذا.. ولنكن دائماً من الظانين بالله الظن الحسن، وإذا داهمنا الشر فلنستعذ بالله من الشيطان الرجيم ولننفث ثلاثاً عن شمالنا ولنتوضأ أو نتصدق، قال صلى الله عليه وسلم: ''الصدقة تقي مصارع السوء''، ولا يرد القضاء إلا الدعاء. فنحن إذاً نُسعد أنفسنا ونحن نتعسها، فاختر الطريق الذي تريد ''إما شاكراً وإما كفوراً''.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية