الجمعة, 16 أكتوبر 2026|4 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

أكد إعلان الألفية الصادر عن رؤساء دول العالم في مؤتمر الألفية عام 2000 أولوية اجتثاث الفقر، وتحقيق المساواة بين الجنسين، وذلك باعتبارهما من الأهداف التنموية. ويمكن أن تكون للتجارة آثار واسعة النطاق في تحقيق المساواة بين الجنسين، العولمة، كما أنها مصدر مهم في تحقيق التنمية الاقتصادية.

إن نحو 85 في المائة من النساء العاملات في منطقة جنوب آسيا يعملن في ظروف اقتصادية «مكشوفة»، وذلك في الاقتصاد غير الرسمي، أو في تشغيل أنفسهن بأنفسهن، مع ما يرافق ذلك من مساهمة اقتصادية متدنية. وتبلغ نسبة النساء اللواتي يشغلن أنفسهن ذاتياً نحو 35 في المائة من مجموع النساء العاملات في هذه المنطقة من العالم. ويعمل نحو 65 في المائة من النساء في منطقة جنوب آسيا في القطاع الزراعي. وبينما تعمل الحكومات على إزالة قيود الاستيراد، وكذلك تخفيض الرسوم الجمركية، فإن النساء المزارعات الفقيرات في الدول النامية يتعرضن إلى منافسة شديدة بخصوص منتجاتهن، وذلك من قبل المواد الزراعية المدعومة بقوة، والتي تصدر إلى بلدانهن من جانب الدول المتقدمة.

وتشكل النساء في جنوب آسيا، كما هي الحال في معظم الدول النامية في العالم، الأغلبية الساحقة من فقراء المناطق الريفية، حيث يتركز نشاطهن في القطاع الزراعي. وتغلب على هؤلاء النساء العاملات صفة عدم امتلاك الأرض، أو في حالات قليلة تماماً، امتلاك مساحات صغيرة جداً من الأراضي. وتفيد دراسات المختصين بهذا الأمر أنه حتى حين تمتلك النساء الأراضي، فإن تلك الملكية تظهر في صورة قطع متناثرة، ومتباعدة، وصغيرة من الأراضي الزراعية، كما أن نوعية تلك الأراضي متردية. ويحرم هذا الأمر النساء من الحصول على الائتمان من جانب مؤسسات الإقراض، وكذلك من قبل برامج دعم الجمهور. وهكذا فإن المحصول الزراعي من هذه القطع المشتتة يوجه معظمه لسد الاحتياجات الذاتية لأسر النساء العاملات، وبالتالي فإن نسبة ضئيلة للغاية من إنتاجهن يتم بيعها في الأسواق المحلية، أو يجري تصديرها إلى الخارج.

إن العلاقات المرتبطة بالفروق بين الجنسين مليئة بالمتناقضات في هذه المنطقة من العالم. وحتى في الأماكن التي تحصل فيها النساء على دخل نتيجة للعمل، فإن أوضاعهن النسبية يمكن أن تصبح أشد سوءا. وتعمل النساء بكثافة في عدد من القطاعات التصديرية، مثل النسيج، والسجاد، في جنوب آسيا، إلا أن ظروف العمل متردية للغاية، كما أن الأجور متدنية إلى حد كبير في ظل بيئات عمل بالغة القسوة. وتعاني نساء هذه المنطقة تمييزا واضحا حين يتعلق الأمر بأجور العمل، وظروفه، ونوعية التشغيل، وكذلك من حيث الحصول على الخدمات الرئيسة، مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والحصول على الموارد المتمثلة في الأرض، وفرص الائتمان، إضافة إلى عدم المساواة حين يتعلق الأمر بتوزيع الدخل. وتبلغ نسبة النساء العاملات في بلدان هذه المنطقة ضمن الفئة العمرية من 15 إلى 64 سنة، أكثر من 50 في المائة، وبالذات في بلدان مثل بنجلادش، وبوتان، وجزر المالديف، بينما كانت تلك النسبة 38 في المائة في الهند في عام 2008.

تشكل النساء العاملات في القطاعات الاقتصادية خارج نطاق القطاع الزراعي نحو 35 في المائة من مجموع النساء العاملات، الأمر الذي يعني أن نحو 70 في المائة منهن يعملن في القطاع الزراعي. وحين تعقد الدول اتفاقيات تجارية إقليمية، فإن تلك الاتفاقيات لا تراعي القضايا الخاصة بالمساواة بين الجنسين، كما أنها لا تتضمن التزامات دولية لدعم وتشجيع المساواة بين الإناث والذكور. وكانت نتائج الدراسات التي تناولت اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند، فيما يتعلق بحقوق النساء في القطاع الزراعي، سلبية تماماً.

هناك، إضافة إلى كل ذلك، اختلافات بين الرسوم الجمركية المعلنة، والرسوم التي يتم تطبيقها على أرض الواقع. وتنص اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند على إزالة الرسوم الجمركية عن نحو 90 في المائة المنتجات الداخلة ضمن بنود التجارة بين الطرفين. وهناك بالتالي فقدان كبير للحماية على نطاق القطاع الزراعي بالذات. وتوجد مشكلات مماثلة فيما يتعلق بتجارة الحليب ومنتجات الألبان، حيث إن الهند من البلدان الرئيسة لهذه المنتجات في الوقت الذي تتمتع فيه هذه المنتجات بدعم مباشر في بلدان الاتحاد الأوروبي. وتعمل نساء كثيرات في الهند في هذا القطاع، حيث يجدن في الوقت الراهن منافسة شديدة في ظل عدد من بنود اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند. وحين تكون هناك قيود تتعلق ببعض المنتجات في الهند، فإن تلك المنتجات هي التي تتمتع بالميزة النسبية فيما يتعلق بمنتجيها داخل الاتحاد الأوروبي. وإن من شأن هذه الاتفاقية إدخال كميات كبيرة من هذه المنتجات الأوروبية إلى الأسواق الهندية، الأمر الذي يتسبب بمنافسة شديدة، وغير عادلة مع المنتجات المحلية.

إن كل هذه الأمور تعني ضرورة توجيه مزيد من الانتباه لدى عقد الاتفاقيات التجارية بين الدول، إلى الأثر الذي يمكن أن تتسبب فيه هذه الاتفاقيات، فيما يتعلق بالمنافسة، وفيما يتعلق بالآثار السلبية على النساء العاملات في قطاعات تتأثر بالمنافسة. ولا بد من اهتمام زائد بدارسة العلاقة بين الفقر في البلدان النامية، والقضايا الخاصة بالتجارة، والتبادل التجاري في ظل العدد المتزايد من الاتفاقيات التجارية في العالم. ولا بد من مراعاة أثر التجارة في الفروق بين الجنسين، حيث من الضروري أخذ هذه الأمور في الحسبان، حتى قبل بدء المفاوضات الخاصة بالاتفاقيات، والمواثيق التجارية. وينبغي النظر، بصورة خاصة، إلى القطاعات الحساسة. وفي ظل المساهمة الكبرى لقطاعات مثل الزراعة، والنسيج، والسجاد في الناتج المحلي الإجمالي لدول جنوب آسيا، والأثر الكبير الذي تحدثه في التنمية الاقتصادية بصورة عامة، فإن من الضروري أن يعير صانعو السياسة في هذه البلدان مزيداً من الاهتمام لقضايا المساواة بين الجنسين في الأمور ذات العلاقة بتحرير التجارة.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: OpinionAsia

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية