بعد أكثر من خمس سنوات من الدراسة والحوار والنقاش مع كل المهتمين بالشأن الثقافي في داخل المملكة من مثقفين سعوديين وغير سعوديين وأندية أدبية ومؤسسات اجتماعية لها حضور في الوسط الثقافي المحلي, اعتمد الدكتور عبد العزيز بن محيي الدين خوجة وزير الثقافة والإعلام, الاستراتيجية التي ستعتمدها الوزارة لإدارة الحقل الثقافي وتنميته لعقود زمنية مقبلة. إنه من الواضح أن الوزارة متمثلة في الهيئة الاستشارية للثقافة, التي شكلها وزير الثقافة والإعلام بعد انضمام قطاعات الثقافة إلى وزارة الإعلام, أرادت لهذه الخطة أن تكون متكاملة في رؤيتها لتطوير العمل الثقافي, ومتكاملة في البرامج المطلوبة لتحقيق هذه الرؤية. نعم يحق للوزارة أن تحتفي بمثل هذا الإنجاز, ويحق لكل الوسط الثقافي أن يستبشر بهذه الخطة وهذه الاستراتيجية, لأن المملكة, وهي تعيش نهضة تنموية متعددة الأبعاد, تدرك أن هذه التنمية في حاجة إلى وعاء ثقافي يجمعها ويحفظ لها هويتها وشخصيتها الثقافية. التنمية بكل جوانبها الاقتصادية والعلمية والصناعية في حاجة إلى الرافعة الثقافية, لأنها هي التي تفعّل هذه الجوانب التنموية للارتقاء بالمجتمع حضاريا وإنسانيا. ليس من الممكن أن نهتم بموضوع الهوية الثقافية في ظل عالم منفتح على بعضه ونحن لا نملك رؤية واضحة ولا استراتيجية متكاملة لحماية خصوصيتنا الثقافية بالشكل الذي يجعلنا غير منغلقين على أنفسنا وغير مستباحين ثقافيا من قبل الآخرين.
كثيرة هي الموضوعات والجوانب التي ستهتم بها هذه الاستراتيجية المقترحة, فالنهوض بالعمل الثقافي يتطلب جهودا متنوعة وأعمالا متعددة ومشاركة من أطياف واسعة, فالاتفاق على رؤية عامة وواضحة لتطوير الثقافة وتنميتها, أمر لا يمكن الاستغناء عنه, لأن غياب الرؤية تعني الفوضى وعدم الأخذ بالأولويات, فالرؤية الواضحة لا تلغي التنوع ولا تستبعد التعددية والإثراء في العمل, لكنها توحد الجميع في إطار من الأولويات والفهم لمتطلبات المرحلة وخصوصياتها, وللرؤية أيضا دور في تجنيب الوسط الثقافي الوقوع تحت هيمنة فئة ثقافية على حساب فئات أخرى, وأن تهمش فعاليات ثقافية بحجج أو دعاوى ليست بالضرورة محل إجماع وطني, أو قد تتعارض حتى مع التوجهات التي ترتئيها المملكة انسجاما مع دوريها الدولي والإقليمي. وهناك موضوع آخر تطرقت إليه الاستراتيجية, وهو لا يقل في أهميته عن صياغة الرؤية الواضحة لتطوير الثقافة, وهو إيجاد أو تأسيس مؤسسات ثقافية مرجعية. صحيح أننا نتطلع إلى مناخ ثقافي رحب ومنفتح في إطار ثوابتنا الدينية والوطنية, لكن هذا التنوع والانفتاح, حتى لا ينقلبا إلى فوضى ونزاعات واستقطابات حادة, تدخل المجتمع في حالة من التشدد والمواجهة, فإننا في حاجة إلى مؤسسات ثقافية تحفظ للوسط الثقافي توازنه واستقراره وتؤمن له الأجواء والدعم المطلوب الذي يبقيه في مسار من التطور والتفاعل ضمن الرؤية المتفق عليها. قد يبدي بعضهم توجسا من وجود هذه المؤسسات الثقافية المرجعية خوفا من المغالاة في دورها وتدخلها في تفصيلات النشاط الثقافي, الذي بطبيعته ينزع إلى الإبداع ويتمرد على التقليد, فالأمومة الثقافية غير مقبولة وغير مرحب بها, إلا أن هذا لا ينفي الحاجة إلى وجود هذه المؤسسات التي يجب أن يكون دورها الأساس ترشيد العمل الثقافي والإبقاء عليه في إطار يخدم الثقافة وينميها ويفعّل دورها في الارتقاء والنهوض بالمجتمع. ربما يكون بعض هذه المخاوف مخاوف مشروعة وتعبر عن رغبة في تأسيس هذه المؤسسات المرجعية في إطار متوازن تتمثل فيه كل ما يحويه الوسط الثقافي المحلي من تنوع وتعددية, فهذه المؤسسات هي التي ستناط بها مسؤولية النهوض بالثقافة, فأي خلل في أطرها التشكيلية والتنظيمية ينعكس سلبا على كل العملية الثقافية, وهذا ما تريد الاستراتيجية أن تجنبنا إياه.
تبقى هناك عدة محاور في الاستراتيجية, وهي كلها مهمة ومطلوبة لإيجاد التنمية الثقافية, لكن يبقى الاهتمام بالناتج الثقافي المحلي محل تطلع كل المثقفين, فهناك إنتاج ثقافي محلي غزير, وهناك أعمال ثقافية متميزة, وهناك مثقفون على استعداد للانخراط في أعمال ثقافية كبرى, لكن عدم وجود مؤسسات ثقافية ترعى هذا الإنتاج الثقافي وتتكفل, أو على الأقل, تقدم مساعدتها ودعمها لنشر هذه الأعمال الثقافية هو الآخر في حاجة إلى مثل هذا الاهتمام بالاستراتيجية, خصوصا نحن نعيش في عالم لا يتعرف على بعضه إلا من خلال الثقافة والإعلام.
أخيرا, الآن وقد أصبحت الاستراتيجية جاهزة وبذلت في إعدادها والخروج بها في شكلها النهائي جهود كبيرة, يبقى المطلوب الآن استمرار هذه الجهود لتنفيذ هذه الاستراتيجية والمتابعة في مراجعتها, فهناك كثير من التحديات تنتظر تفعيل هذه الاستراتيجية, لكننا متفائلون بوجود رغبة وإرادة صادقة لإحداث نقلة وتنمية حقيقية للثقافة.
