السبت, 17 أكتوبر 2026|5 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

المملكة هي البلد الوحيد على مستوى العالم الإسلامي الذي يتعامل مع شهر رمضان المبارك على أنه شهر عبادة حتى على المستوى الرسمي، حيث تنخفض ساعات العمل في هذا الشهر الفضيل، ويتم تأخير بدء الدوام الرسمي بما يتفق وحاجة الصائمين، مستلهمة ذلك من موقعها كقبلة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ومن دورها كحاضن لأطهر البقاع المقدسة، ومهبط الوحي الذي ختم الرسالات السماوية، وذلك من أجل إعطاء هذا الشهر الكريم ما يستحقه من الروحانية التي لا يمكن أن تتوافر في أي مكان آخر من العالم، وهي بالتالي، وتأسيسا على ذلك، تجند كل طاقاتها عبر وزارة الداخلية بمختلف أجهزتها، ووزارة الحج، ووزارة الشؤون الإسلامية وغيرها من الوزارات والهيئات لخدمة الزوار والمعتمرين الذين يتوافدون من كل حدب وصوب للديار المقدسة في مثل هذا الوقت من كل عام.

واليوم ونحن نستقبل شهر الخير والبركات بكل ما خصه المولى ـــ عز وجل ـــ من الفضائل، نترسم هذا الدور العظيم الذي منح هذه البلاد خصوصيتها، ودفع قادتها للتخلي عن كل الألقاب الدنيوية مقابل الشرف الأسمى بخدمة الحرمين الشريفين، وتسخير الإمكانات كافة عاما بعد عام في كل ما يوفر أجواء الأمن والطمأنينة والسلامة لضيوف الرحمن، وتهيئة أقصى السبل في التوسعة وتطوير الخدمات لرعاية شؤونهم حتى تمام مناسكهم، ما جعل من رحلتي الحج والعمرة، في ظل هذا الاهتمام المشهود، تحفهما السكينة ويعمهما الأمن والرخاء.

وإذا كانت هذه الروحانية الفريدة التي أنجزتها هذه الأجواء تخيم على رحاب الحرمين في مشهد ينتظره العالم الإسلامي كل عام من شرقه إلى غربه، فإن ما يزيد من بهائه ونموذجيته، هذا التكامل الجميل بين عمل الجهات الرسمية والمواطنين، الذين ينخرطون في الأعمال الخيرية طلبا لما عند الله من الأجر والمثوبة، سواء في مشاريع إفطار الصائمين التي تصرح لها الوزارات المعنية أو غيرها من الأعمال الخيرية .. فإن مقتضيات الواجب تستدعي من كل الراغبين في وصول خيرياتهم إلى مقاصدها المشروعة أن تكون هذه الأعمال تحت مظلة الجهات الرسمية تجنبا لاستغلالها ـــ لا سمح الله ـــ في غير ما أسست من أجله، وتوحيدا للجهود في الوقت نفسه، بحيث لا تضيع سدى فيما لا طائل من ورائه.

إن هذه الخصوصية التي حبا الله ـــ سبحانه وتعالى ـــ بها هذا الوطن حكومة وشعبا، شرف لا يضاهيه أي شرف دنيوي، لأنه الشرف الأسمى الذي يسعى إليه كل مؤمن على وجه هذه الأرض، وعليه فإن احترام هذه الخصوصية لا يتأتى إلا بالانسجام التام بين ما تقدمه الدولة ممثلة في قطاعاتها المختلفة، وهو بفضل الله كبير وعظيم، وهو العمل الذي يسابق ذاته بشهادة الجميع لحظة بلحظة، وما يقدمه المواطن، الذي جبل على حب الخير والسعي إليه، لتكتمل الصورة في إطارها الصحيح. وما من شك أن المواطن وبفضل الله ـــ تعالى ـــ أصبح أكثر وعيا، وهو يدرك أن هذا الوطن الذي يسخر كل طاقاته لخدمة وفود الزوار والمعتمرين في مثل هذا الموسم العظيم، وبجدارة لم يسبقه إليها غيره على مر التاريخ الإسلامي، لا بد أن يكون هو الأكثر حرصا على دعم كل الخيريات التي تذهب في مساقاتها وقنواتها التي شرعها الخالق ـــ عز وجل ـــ طريقا لجني أعظم الأجر وأجزل الثواب. كما أن من أعظم تجليات هذه الخصوصية الدينية التي تدفع كثيرا من المسلمين للسعي نحو قضاء بعض أيام شهر الخير والبركات في ربوع الحرمين الشريفين .. أن يسهم الجميع في تحقيق هذه الرغبة، على ألا يكون هذا الإسهام دافعا للبعض على التستر على المتخلفين بعد تمام أداء شعائرهم أو تشغيلهم، ما يزيد من أعباء التخلف التي ترهق الأجهزة المعنية وتكلفها الكثير، وتتسبب في مزيد من الاختناقات، لأن المسؤولية تقتضي أن يعود كل معتمر وكل زائر إلى بلاده معززا مكرما مثلما أتى، لا أن يكون هذا الموسم الكريم غطاء للتسلل للإقامة غير الشرعية وما يترتب عليها من تبعات لا نزال نعاني من آثارها الكثير.

أتمنى للجميع صياما مقبولا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا، وكل عام وأنتم بخير.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية