السبت, 17 أكتوبر 2026|5 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تُرى هل تستطيع روسيا أن تفلت من قبضة ''لعنة الموارد'' التي جلبتها ضمناً أسعار النفط المرتفعة، أم أنها ستستسلم لما نطلق عليه ''سيناريو السبعينيات والثمانينيات''؟ هذا هو السؤال الذي يواجه الروس اليوم، ونحن نخشى أن يكون مصيرهم إلى الاستسلام لذلك السيناريو: إذا ظلت أسعار النفط عند مستوى 70 إلى 80 دولاراً للبرميل، فمن المرجح أن تعيش روسيا من جديد كافة مظاهر عهد بريجينيف في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين ـ في ظل اقتصاد كاسد، وحيث تظل مستويات الشعبية التي يتمتع بها زعماء روسيا السياسيون متراوحة بين 70 في المائة إلى 80 في المائة. إن لعنة الموارد تعني بطبيعة الحال أن أهل النخبة في روسيا سيفضلون تأجيل إعادة هيكلة الاقتصاد وتحديث المؤسسات السياسية والاقتصادية في البلاد. وهذا من شأنه أن يقوض الأداء الاقتصادي، ويزيد من ضآلة احتمالات لحاق روسيا بالقوى الاقتصادية المتقدمة في غضون الأعوام العشرة إلى الـ 15 القادمة، كما وعد المسؤولون.

إن النمو السريع والمستدام يتطلب حكم القانون، والمساءلة، وتطبيق مبدأ الجدارة، والاستعانة بمسؤولين بيروقراطيين غير فاسدين، وحماية حقوق الملكية، واحترام التعاقدات، والأسواق التنافسية.

وتتفاقم لعنة الموارد في روسيا في مرحلة ما بعد الأزمة بفعل عاملين اثنين. الأول أن عملية إعادة التأميم الضخمة التي بدأت منذ عام 2004 سمحت للشركات المملوكة للدولة من جديد بالسيطرة على الاقتصاد. والواقع أن هذه الشركات ليست لها مصلحة في تطوير المؤسسات الحديثة القادرة على حماية الملكية الخاصة وتعزيز حكم القانون. والثاني أن الدرجة العالية التي تتسم بها روسيا من التفاوت الاقتصادي تعمل على دعم تفضيل الأغلبية لإعادة توزيع الثروة على العمل التجاري الخاص.

ويقر قادة روسيا بالحاجة إلى التحديث، ولا يملون من الأحاديث عن هذا الأمر، كما يتبين لنا من بيان الرئيس دميتري ميدفيديف تحت شعار ''انطلقي يا روسيا!''. ولكن الحوافز التي قد تدفع روسيا إلى الرغبة في الإفلات من لعنة الموارد تتضاءل إزاء الأهمية الساحقة للنفوذ الذي يستمده أهل النخبة السياسية من عائدات الموارد.

فحين أشرف الاقتصاد على الانهيار أثناء الأزمة الأخيرة، تصورنا أن الحكومة ستدرك الحاجة إلى المضي قدماً في تنفيذ الإصلاحات الجذرية التي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى اقتصاد يتسم بالتنوع والتحرر من المركزية والنمو السريع. ولكن رغم فعالية سياسات التحفيز في التعامل مع الأزمة المباشرة، فإنها لم تعالج القضايا الطويلة الأمد التي تعوق النمو.

ورغم ذلك، استمرت الحكومة في الترويج لخطط تعزيز الاقتصاد. فجربت كل من السياسة الصناعية العمودية، والسياسة الصناعية الأفقية، والاستثمار في التعليم، طيلة الأعوام العشرة الأخيرة. غير أن المؤسسات العامة الروسية ظلت ضعيفة كعهدها دوما (على سبيل المثال، ظل الفساد مستشرياً كما كان قبل عشرة أعوام، إن لم يكن قد تفاقم سوءا)، ولم يصبح الاقتصاد أقل اعتماداً على أسعار السلع الأساسية.

واليوم برز حل سحري لجميع المشكلات الاقتصادية يتلخص في ''مدينة الإبداع'' في سكولوكوف، والتي ترجو الحكومة أن تعمل على حفز تدفقات التكنولوجيا الحديثة. ولكن لا توجد وصفات سحرية للتحديث. ولا حاجة بنا فضلاً عن ذلك إلى إعادة اختراع العجلة. ذلك أن خطة الإصلاح الشاملة المتماسكة كانت بالفعل تشكل جزءاً من الأجندة الاقتصادية التي تبناها فلاديمير بوتن، الذي كان رئيساً للبلاد آنذاك، مع بداية ولايته الأولى في عام 2000.

والواقع أن برنامج ''جريف'' (الذي أطلق عليه هذا المسمى تيمناً بوزير الاقتصاد الألماني الأسبق جريف) توقع العديد من الإصلاحات المطلوبة بشدة ـ الخصخصة، وإلغاء القيود التنظيمية، والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وإصلاح الحكم، والاحتكارات الطبيعية، وتعزيز الأمن الاجتماعي. وتشتمل ''الاستراتيجية الطويلة الأمد لعام 2020'' التي أقرتها الحكومة الحالية على الخطوط العريضة للعديد من هذه الإصلاحات. والمشكلة هي أن هذه الاستراتيجية ـ كما كانت نهاية برنامج جريف في عام 2000 ـ من غير المرجح أن تنفذ بالكامل، ويرجع هذا إلى الحوافز الضعيفة القديمة نفسها.

وحتى برنامج الخصخصة الذي أعلن عنه أخيراً لحصص غير مسيطرة في أضخم الشركات المملوكة للدولة ـ رغم أهميته وجدارته بالثناء ـ لن يعمل على خلق التزام راسخ بالإصلاح. فحتى الآن لا تريد الحكومة انتقال السيطرة على هذه الشركات إلى أيدي أفراد في القطاع الخاص. وعلى هذا فإن المبيعات التي أعلن عنها رئيس الوزراء بوتن لن تنجح في زيادة الطلب على المؤسسات الداعمة للسوق.

وفي المقابل يبدو سيناريو ''السبعينيات والثمانينيات'' مرجحاً على نحو متزايد. ففي حزيران (يونيو)، وأثناء المنتدى الاقتصادي الذي استضافته مدينة سانت بطرسبورج، سُئِل المشاركون في جلستين ـ الحكومة الروسية وكبار رجال الأعمال، فضلاً عن اللاعبين الأجانب من ذوي النفوذ ـ عن مستقبل الاقتصاد الروسي. وكانت النتائج متماثلة إلى حد مقبض للصدر. ففي إحدى الجلستين، توقع 61 في المائة من المشاركين الكساد في غضون عامين إلى خمسة أعوام (توقع 33 في المائة من المشاركين النمو، وتوقع 5 في المائة منهم اندلاع أزمة). وفي الجلسة الثانية، توقع 55 في المائة من المشاركين الكساد طيلة الأعوام العشرة المقبلة (وتوقع 41 في المائة من المشاركين النمو، في حين تنبأ 4 في المائة منهم بالانهيار).

إن العوامل التي دفعت النمو الاقتصادي السريع في عهد بوتن ـ أسعار النفط المرتفعة، والعمالة الرخيصة، والطاقة الإنتاجية غير المستغلة - أصبحت جميعها مستنفدة الآن. وهذا يعني أن روسيا ستضطر إلى البدء في الإنفاق من الاحتياطيات التي أنقذت الاقتصاد في الأزمة الأخيرة. ومن الواضح أن سيناريو ''السبعينيات والثمانينيات'' سيعمل على الحفاظ على الوضع الراهن، ولكن الاقتصاد لابد أن يصل في نهاية المطاف إلى طريق مسدود، وعند تلك النقطة فإن الخيار الوحيد المتبقي سيكون إما الإصلاح الاقتصادي الحقيقي أو الانحدار والاضطرابات المدنية الخطيرة.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية