الجمعة, 16 أكتوبر 2026|4 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

بيد أنه إذا كانت الحاجة ماسةً إلى توطين المفهوم في الثقافة السياسية العربية، وتعزيز إمكانات صيرورته قيمةً مشتركةً بين الدولة ومؤسساتها والمجتمع ومختلف تعبيراته، فإن الأمر يستلزم قبل كل شيء الاجتهاد في تبيئته وتأصيله في النظر العربي، قبل التسليم بوجوده، والتسرع في الإقرار بفعلية استقراره، وفاعلية تأثيره في الحياة السياسية العربية. من نافلة القول الإشارة إلى أن ''حكم القانون'' مفهوم وافد على المجال السياسي العربي، حيث ترجع مصادر ميلاده كفكرة إلى الأصول الهيلينية والجرمانية اللاتينية، حين اشتركت الشرائع الدينية والموضوعية في تأكيد حق البشر جميعاً في التمتع بثمرات العدالة ومكاسب الحقوق والحريات، ومنافع التقدم في تعميق حقوق الإنسان والمواطن، حدث ذلك مع الثورتين الأمريكية والفرنسية في القرن الـ 18، واجتهادات الفلاسفة والمفكرين في القرن الـ 19. فحكم القانون، كما أسسته تطورات هذين القرنين، وأصلته مساعي المفكرين لاحقاً، يعني تحديداً تلك ''القاعدة الحصرية الناظِمة لعلاقة المواطنين بالسلطة، وعلاقة السلطة بالمواطنين''، مما يعني أن القيمة البيداغوجية والسياسية للمفهوم تكمن في قدرته على تأطير الصلة بين الدولة والمجتمع، بشكل يجعلها مقبولةً، متوازنةً، وتحظى بالشرعية والقبول .. إن حكم القانون هو الذي يحول السلطةَ، وسلطة الدولة على وجه التحديد، إلى قوة مادية ورمزية غير قهرية ولا ظالمة، كما يسمح لحريات المجتمع بأن تكون راشِدةً، مسؤولةً، وناجعةً على صعيد الممارسة والتطبيق، ومن هنا تتجلى المعاني الحساسة والدقيقة لمفهوم حكم القانون، والمتطلبات التي يستلزمها بغية إدراك المقاصد التي وُلد أصلاً من أجلها. ويعتبر المفهوم، من زاوية ثانية، شكلاً من أشكال إدارة الحكم، يخضع الجميع، بمن فيهم الحكام والمؤسسات والكيانات والهيئات العامة والخاصة، للمساءلة أمامه بعدل وإنصاف ومساواة، عبر قضاء مستقل ونزيه وفعال، كما يحمي حقوق الإنسان ويتيح للمواطنين فرصَ المشاركة في صنع القرار، ويقيم الفصل بين السلطات، ويحقق الشفافية في الإجراءات والقوانين. يصعب الإقرار بوجود صورة وردية لحكم القانون في البلاد العربية. فالمفهوم، الذي ما زال يتلمس طريقه للتشكُّل والاكتمال، يصطدم ببيئة حاضِنة حبلى بعوامل التعقيد والإعاقة، إذ يلعب الموروث التاريخي والسسيوثقافي، ولا سيما من زاوية السلطة وآليات ممارستها، دوراً سلبياً في استقرار المفهوم واستقامته على صعيد التطبيق. فمن جهة الوثائق التأسيسية، تشكو جل البلاد العربية من صعوبة صياغة دساتيرها على روح التعاقد والتوافق، حيث تتحقق المشاركة الإرادية والطوعية في هندسة الوثائق الدستورية، وتكريس المبادئ والقواعد المؤكدة لحكم القانون والضامِنة لتطبيقه. لذلك، ونتيجة لضمور ثقافة التعاقد في المجال السياسي العربي، جاءت مقومات تحقيق حكم القانون ضعيفة وشاحبة في الدساتير العربية، من قبيل مبدأ فصل السلطات، والمساواة أمام القانون، وعدم رجعية القوانين، كما وردت الضمانات المكرِّسة لحكم القانون محدودةً، وفي أحسن الأحوال عامةً في صياغتها، وسهلةً التفسير والتأويل بما يتعارض مع روح مقاصدها ومراميها. ولعل الأكثر إثارة للانتباه في البلاد العربية، من زاوية حظوظ استقرار وترسخ مفهوم حكم القانون، المكانة المتواضعة لمؤسسة القضاء، الموسومة، بدرجات مختلفة، بضعف الاستقلالية، ومحدودية النزاهة والشفافية، والحال أن من متطلبات تحقيق حكم القانون، اكتساب السلطة القضائية كل وسائل المناعة التي تجعلها في منأى عن مكامن الضغط والتأثير والتوجيه والمراقبة .. في وضع يسود فيه ''قضاء الهواتف''، ويكون القضاة عرضة للضغط، والتهديد، وأحياناً التنكيل، يكون عصيا على مفهوم حكم القانون أن يستقر ويتوطن في الثقافة والممارسة. ولعل الأمر ينطبق على قطاعي البرلمان والإعلام. فمن الملاحظ أن المؤسسة التشريعية تعاني في عموم البلاد العربية من ضعف الصلاحيات المخولة لها في نصوص الدساتير، كما لا تسمح لها معطيات الواقع السياسي والاجتماعي بالذهاب بعيدا في ممارسة الوظائف المنوطة بها في نطاق التمثيلية، من تشريع ومراقبة، ومتابعة تنفيذ السياسات العمومية. ويتجسد ضعف البرلمانات العربية، وصعوبة مساهمتها في إشاعة قيمة حكم القانون، في واقع سير الانتخابات المفرِزة لنخبها، حيث تتحكم في انتقائها ممارسات بعيدة عن المعايير المألوفة دوليا من قبيل الشفافية والنزاهة والحرية في التصويت وإبداء الرأي. فانتخابات غير نزيهة ـــ أو مشوبة بشوائب التدخل المباشر، واستعمال سلطة المال والجاه وما إلى ذلك من الممارسات التي تفرغ التمثيلية من مقاصدها النبيلة ـــ لا تُكَوِّن نخباً برلمانية شرعيةً قادرةً على تكريس حكم القانون وسنِّ التشريعات الضامِنة لاحترامه على صعيد الممارسة. وفي السياق نفسه، يبدو قطاع الإعلام، على الرغم من المظاهر الكمية البارزة لوسائطه، عرضةً بدوره لمصادر الضغط التي تحدُّ من دوره الريادي في تنوير الرأي العام وشحذ وعيه لإدراك قيمة حكم القانون واستراتيجية توطنه في الدولة والمجتمع، ولعل مراتب البلاد العربية في سلم حرية الإعلام والصحافة دولياً تعطي الدليل على حاجة قطاع الإعلام، أسوة بقطاعي القضاء والبرلمان، إلى إصلاحات وتغييرات عميقة لجعله قادرا على المساهمة الفعالة قي تكريس ثقافة حكم القانون.. ومن الأهمية بمكان التشديد على الدور المهم الذي لعبته المجتمعات المدنية في أكثر من بلد في العالم في تعبئة الناس وتوعيتهم قصد إدراك حاجتهم جميعاً إلى صيرورة حكم القانون فيصلا في علاقة الدولة بالمجتمع، وفي علاقة أفراد المجتمع فيما بينهم .. إن بناء حكم القانون، وتوطينه، وجني ثماره في المجال السياسي العربي مسيرة طويلة ومعقدة، وككل سيرورة من هذا النوع والطبيعة، يحتاج الأمر إلى قدر كبير من الجرأة، والإصرار، والإرادة الجماعية .. التي تستلزم أولاً وقبل كل شيء بناء التأييد حول مطلب حكم القانون، وتوسيع دائرة المناصرين له من داخل مؤسسات الدولة وقطاعات المجتمع. لذلك، فالإصلاح اللازم والمطلوب لفتح ديناميات فعلية لتوطين حكم القانون في المجال السياسي العربي، لا يرتبط حصراً برأس الدولة، وأجهزتها، والثقافة الناظِمة لعلاقتها بالمجتمع فحسب، بل يرتهن بالقدر نفسه بدرجة وعي المواطنين، وقدرتهم على التعاون من أجل أن يصبح حكم القانون قيمة مشتركة لا رجعة فيها في حياتهم، ولعل ذلك ما يجعله (حكم القانون) مطلباً شاقاً ومعقداً، لكن ليس بالمستحيل ولا بمتعذر المنال.. إنه من الطيبات الممكنات.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية