الجمعة, 16 أكتوبر 2026|4 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إن مجموعة الاختصاصيين التقنيين، أو من يطلق عليهم وصف التكنوقراط، بزعامة مانموهان سنج في الهند، تسير في طريق الفشل، وذلك في غياب رقابة وضبط، سواء من جانب حزب المؤتمر الحاكم، أو من قبل المعارضة الهندية، على الرغم من أن الجناحين اليميني واليساري لهذه المجموعة قد تمكنا من عقد حلف تكتيكي يجمع بينهما من أجل فرض حظر قومي على المظاهرات والاحتجاجات التي اندلعت أوائل الشهر الحالي؛ للتعبير عن الغضب الشعبي من التضخم المرتفع في أسعار كل من الغذاء ومصادر الوقود.

إضافة إلى التضخم الذي بلغت نسبته خانتين عشريتين، والذي يتأثر به معظم السلع والبضائع، بما في ذلك الغذاء والوقود، فإنه لا يتم توفير وظائف بأي سرعة كانت في المدن الداخلية، والمناطق الريفية، والقطاع الزراعي المصاب بحالة شديدة من الإحباط. ويعود كل ذلك إلى السياسة التي تتبعها حكومة رئيس الوزراء، مانموهان سنج، التي تحذو حذو ما يطلق عليه النموذج الأمريكي. ويلاحظ أن الغضب والعنف الموجهين ضد الدولة يشهدان حالة من التصاعد في مختلف أرجاء الهند، كما أن لدى الهند مشكلة كشمير التي تتداخل بقوة مع الاتجاهات القومية الانفصالية المتزايدة، الأمر الذي يعمل على إيجاد فجوة أجيال آخذة في الاتساع، اتخذت شكل إلقاء الحجارة على قوى الأمن في المناطق الهشة، مثل سريناجار، وسوبور، وبارامولا التي لا تبدي أي إشارات نحو التراجع.

أدت التشوهات الاقتصادية خلال ست سنوات دخلت فيها حكومة مانموهان سنج فترة حكمها الثانية إلى إشعال نيران تمرد الماويين في مناطق القبائل في وسط وشرق الهند. وهناك تحركات عنيفة في مناطق استخراج المعادن في أقاليم القبائل، حيث يطالب المشاركون فيها بنصيبهم من النمو الذي أخرج ملايين من المحرومين الهنود من بيوتهم، الأمر الذي ساعد على إشعال حركة تمرد الجماعات الماوية في تلك المناطق من البلاد. ومن الأمور المحرجة للغاية لحكومة نيودلهي ما ورد في التقرير الجديد الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية الذي يتناول مؤشر الفقر، حيث أورد أن عدد الناس الأشد فقرا في ثماني ولايات هندية يزيد بما يصل إلى 21 مليون شخص عن مجموع السكان الأشد فقرا في 26 دولة إفريقية.

أما موقف الهند على الصعيد الخارجي، فهو في حالة سيئة مشابهة، حيث نجد أن أفغانستان تنحدر نحو مزيد من الفوضى بينما تتحرك الولايات المتحدة بصورة جادة نحو الانسحاب من ذلك البلد في عام 2011 في غياب أي إشارة لتحقيق نصر على طالبان، أو القاعدة. ويعمل تصاعد نشاطات طالبان والقاعدة على الأراضي الأفغانية، على تعزيز قوة مخابرات الجيش الباكستاني فيما يتعلق بممارسة الإرهاب في الهند. وفي ظل التراجع المستمر لمكانة الولايات المتحدة على النطاق العالمي، وما يلوح من احتمالات الهزيمة على الأراضي الأفغانية، فإن الصين ماضية في تسارع حركتها لإغلاق الفجوة بينها وبين الولايات المتحدة. وتعمل الصين على استهداف الهند من خلال استمرار دعم التحالف الصيني الباكستاني الذي يتمثل بصورة من الشراكة الاستراتيجية التي يستهدف الطرفان من خلالها مواجهة النهوض الهندي، ومعاقبة الهند على اقترابها المتزايد من الولايات المتحدة. وهنالك محادثات بين الصين وباكستان لتوقيع معاهدة للتعاون النووي لموازنة أثر معاهدة التعاون النووي التي تم توقيعها بين واشنطن ونيودلهي. وقد عمل هذا التوجه الصيني على زيادة جرأة باكستان، الأمر الذي جعلها تخرب الحوار الثنائي مع الهند خلال الفترة الأخيرة، حيث انتهى اجتماع وزيري خارجية البلدين بسيل من تبادل الاتهامات.

لقد ازداد غليان الأزمة في الهند؛ لأن حكومة التكنوقراط التي يقودها مانموهان سنج قد سلّمت أمور تطوير الصناعة الفضائية الهندية الاستراتيجية، واتخاذ القرارات حولها، إلى الغرب، وبالذات إلى الولايات المتحدة، حيث استفادت الحكومة من التكتيكات الداخلية في حزب المؤتمر الهندي الذي أظهر توجهاته السياسية. ونظرا إلى عدم ثقة زعيمة حزب المؤتمر، سونيا غاندي، بأن أي زعيم سياسي هندي سيكون على استعداد للتخلي عن السلطة حين يصبح ابنها، راهول، جاهزا لتولي زمام الأمور، فقد لجأت إلى تسليم السلطة إلى شخص مثل مانموهان سنج؛ لكي يحرس القلعة إلى حين استعادتها. وليس لدى هذا الرجل اهتمام بالأمور السياسية، كما أنه يفضل عدم التواصل مع الناس.

إنه لا يحب البرلمان، ويحاول على الدوام ألا يحضر جلساته، ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ويضاف إلى ذلك أنه يحرص على ترتيب زياراته الخارجية خلال فترة الجلسات التشريعية للبرلمان الهندي. ويكره زعماء حزب المؤتمر الهندي في شمال البلاد هذا الرجل بصفة خاصة، حيث يرون أن الحملة العسكرية ضد حركة ناكسال في إقليم غرب البنغال تعمل على إضعاف فرصهم في الفوز بالانتخابات التشريعية في ذلك الإقليم. ومن بين الشخصيات البارزة التي تحدثت بصورة علنية عن معارضتها للحملة الحكومية هذه، ديغفيجاي سنج، رئيس الوزراء السابق في ولاية مادهيا براديش، والصديق المقرب من راهول غاندي. وهنالك مشكلة أخرى تتسع نطاقا لدى حكومة مانموهان سنج، حيث تتمثل في أن زعماء حزب المؤتمر ينتقدون بصورة علنية توقعات نائب رئيس لجنة التخطيط، مونتيك سنج ألهوواليا، التي تحدث من خلالها عن تقليص نسبة التضخم.

لقد عمل غياب فعالية المعارضة على تسليط الأضواء على المشكلات التي تتسبب فيها حكومة التكنوقراط برئاسة مانموهان سنج، وذلك على الرغم من تمكن جناحيها اليميني واليسار من التوصل إلى اتفاق بينهما في الخامس من تموز (يوليو) على تفعيل حظر وطني على المظاهرات التي أطلقتها زيادة الأسعار. وقد استطاع حزب المؤتمر، مع ذلك، استغلال الاختلافات العقائدية العميقة بين جناحي هذه المجموعة منذ ذلك الحين.

بينما يفترض أن يكون الجناح اليساري علمانيا حسب مفردات السياسة الهندية، فإن الجناح اليميني يميل بشدة إلى التعصب الوطني الهندي المتشدد. ويتم التحقيق في الوقت الراهن مع عدد من نشطاء هذا الجناح المتعصب بتهم تتعلق بنشاطات عنف ضد المدنيين المسلمين. وقد رفضت الحكومة إدخال الأوصاف الدينية في حديثها عن النشاطات الإرهابية، وعن المشاركين في النشاطات الهندوسية التي تتسم بالتعصب الشديد.

وقد حرص الزعيم اليميني البارز، أدفاني، في أعقاب اتفاق جناحي المجموعة على تفعيل الحظر الوطني على التظاهرات الاحتجاجية، على كيل المديح لزعماء جناح اليسار، الأمر الذي أثار حفيظة زعماء الجناح اليميني في إقليم غرب البنجال الذين ما زالوا يأملون بتحقيق نصر انتخابي بالتعاون مع حزب المؤتمر الهندي ضد التحالف الذي يقوده مامتا بانيرجي، حيث يعتقدون أن ذلك يمكن أن يجعلهم يحظون باستعادة حكم الولاية التي قادها تحالف مامتا بصورة سيئة للغاية خلال ثلاثة عقود من الزمن. غير أن هنالك مشكلة تتعلق بكون مامتا حليفا لحزب المؤتمر في الحكومة المركزية، لكنه يبدي غضبه إزاء القضايا ذات العلاقة بالتضخم، وكذلك بتدني صورة حكومة مانموهان سنج في نظر الشعب.

يبدو أن التحالف الحاكم قلق للغاية من تحرك أحزاب يسارية ويمينية ضد حزب المؤتمر، وما لذلك من أثر سيئ عليه في الانتخابات العامة المقبلة، وبالتالي فقد زاد هذا التحالف من التشدد في التحقيقات الخاصة بالنشطاء المنتمين إلى الجهات شديدة التعصب. وقد ألمحت التسريبات الصحافية التي جاءت من جانب المكتب المركزي المسيس الذي يتولى التحقيقات، إلى أن عمليات الاستجواب أصبحت قريبة من الوصول إلى زعماء تلك الأحزاب والجماعات المتطرفة في التعصب، الأمر الذي أثار تهديدات من جانب أولئك الزعماء بتصعيد نشاطاتهم ضد الحكومة. وقد أثار هؤلاء الناشطون موجة انتقادات شديدة ضد الحكومة المركزية في نيودلهي، حيث ركزوا على أنها تعمل على تأخير إعدام الإرهابي الكشميري، أفزال غورو، الذي شارك في الهجوم الدموي على البرلمان الهندي في 13 من كانون الأول (ديسمبر) من عام 2001. وقد تراجعت قيادة الجناح اليساري، على نحو سريع، عن أي خطوة يمكن أن تؤدي إلى تقارب فعلي مع اليمين، حيث صبت بذلك ماءً باردا على جهود أدفاني، كما أبدت خشيتها من رد فعل قوي من جانب الناخبين المسلمين.

إن معظم هذه التطورات ما هو إلا مشهد معتاد في الخلافات على السلطة في الهند. لكن يتم احتسابه بعناية بالغة في هذه المرة في سبيل المحافظة على السلطة، وإبعاد الأنظار عن الأزمات المتصاعدة على الصعيدين الداخلي والخارجي. غير أن الخلافات الداخلية بين أطراف التحالف الحاكم تعتبر كذلك جانبا مسببا للأزمة، كما أنها تقودها باتجاه إبعاد أوسع بكثير. ولا تستطيع زعيمة حزب المؤتمر، سونيا غاندي، التي هي ليست من مقاتلي الشوارع السياسيين في الهند، كما أنها ليست من مواليد شبه القارة الهندية، أن تفهم تعقيدات كل هذه التطورات على الساحة السياسية في هذا البلد. أما ابنها، راهول، فهو أضعف منها على الصعيد السياسي، كما أن الصحافة التي أصبحت قريبة من التحالف الحاكم ترفض أن تعكس مدى دقة وحدة التعثر القائم على صعيد السياسات الحكومية.

كان اليسار شريكا فاعلا في التحالف الحاكم في فترة الحكم الأولى لرئيس الوزراء، مانموهان سنج، وذلك إلى أن ابتعد عن التحالف في أعقاب الاتفاق النووي بين الهند والولايات المتحدة. وكانت حكومة سنج خلال فترة الحكم الأولى مستقرة، كما أدت بعض واجباتها بفصل مشاركة اليسار لها التي منعت توجها كاملا ومطلقا نحو السياسات الغربية. غير أن حزب المؤتمر الهندي، وحكومة مانموهان سنج، احتقرا اليسار، الأمر الذي أدى إلى فراق بين الجانبين. وأدى ابتعاد اليسار عن الفترة الثانية من حكم وزارة مانموهان سنج إلى جعل أمور البلاد أشد سوءا، بدلا من أن تتجه نحو التحسن. وأدت سياسات اليمين الاقتصادية إلى امتعاض لدى الجناح اليساري داخل حزب المؤتمر نفسه، وفي بقية أرجاء البلاد.

وإذا لم تستطع أطراف المعارضة تكوين جناح متحد قوي، فإن من المحتمل أن يعود تحالف اليسار وحزب المؤتمر لكي ينجح في تشكيل حكومة تستطيع العمل على شاكلة ما أنجزته الفترة الأولى من حكم وزارة مانموهان سنج. وإذا كان زعماء الجناح اليميني يظهرون عداءهم السافر لمثل هذا التوجه، فإن حكومة سنج كذلك تتمسك بدورها بأسنانها، وستحاول مقاومة أي توجه من هذا القبيل.

يمكن القول باختصار: ''إن هناك خلافات بين جميع الأطراف السياسية في الهند تبرز على نحو متزامن. ولم يعد المحللون، بمن فيهم كاتب هذا المقال، متأكدين من أن هذا البلد سينجز وعده بأن يصبح قوة عظمى. وإن التناقضات الداخلية في الهند واسعة للغاية، كما أنها تتزايد بوتائر متسارعة، الأمر الذي يعني أنها لن تسمح بنهوض هندي كبير على الصعيد الخارجي''.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: OpinionAsia

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية